تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#

6950

هل حقا لدينا موهبة سعودية؟

وقبل الشروع في كتابة هذا المقال لابد من التوقف قليلاً عند أمر غاية في الأهمية والموضوعية. فنحن معشر "الكتاب" كثير ما نُتَهم بأننا مجرد أبواق لجهة ما سواء كانت تلك الجهة رسمية أو خاصة، بينما على الجانب الآخر نُتَهم أيضاً بأننا لا ننظر إلا للنصف الفارغ من الكأس وليس لنا من أهداف سوى تصيّد الأخطاء وترصد العثرات وتضخيم السلبيات بحيث تبدو الأمور كما لو أنها تتجه نحو الهاوية. ولعل المثل الحجازي الشائع "لا كدا عاجب ولا كدا عاجب" يلخص تلك الإشكالية المريرة التي يعيشها الكتاب الصحفيون السعوديون، وأظنها كذلك مع معظم الكتاب في العالم خاصة في الوطن العربي الذي تتداخل فيه الصلاحيات والقوانين وتتماهى فيه الحقوق والواجبات. إذاً أين نقف نحن كتاب هذا الوطن العزيز من هاتين التهمتين الكبيرتين المحوريتين؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يجب أن نضعه دائماً نصب أعيننا بمجرد أن نهم بالكتابة.
لعل تلك المقدمة البائسة تقيني - ولا أظنها تستطيع ذلك - من سياط النقد الجارح أو من براثن القدح الفاضح من هنا أو هناك. قررت هذه المرة وبملء إرادتي وبكامل قواي العقلية ومع سبق الإصرار والترصد أن أكتب عن جانب مضيء في سماء هذا الوطن. فلقد سئمت - وأظن أساتذتي وزملائي كتاب "الوطن" وكل الوطن كذلك - من الكتابة عن السلبيات والإخفاقات والانكسارات والآهات، وهي كثيرة وحقيقية ولا أحد يُنكرها، لقد سئمت من تلك الكتابات التي تُصورنا نحن أبناء هذا البلد وكأننا لا نبحث في قاموس الحياة الكبير إلا عن مفردات الفقر والبؤس والشقاء والبطالة والإقصاء والتهميش، ونُحجم تارة طائعين وأخرى مُجبَرين عن مفردات تتحدث عن الفرح والمتعة والنجاح والمستقبل والأمل والإبداع والموهبة.
كنتُ ومازلت لا أؤمن بتلك التجمعات البشرية بمختلف أشكالها ومستوياتها والتي نُطلق عليها جزافاً مهرجانات ومؤتمرات وندوات وملتقيات ودورات وورش علـمية وصالونات أدبية ومراكز صيـفية، وأراها - أي تلك التجمعات - مجرد مظاهر احتفالية وبروتوكولات احتفائية وتداعيات ساذجة لأمنيات حقيقية وطموحات كبيرة يحملها أصحاب القرار للنهوض بمستوى الوطن والإنسان.

حضرت العديد من تلك التجمعات التي لم تُقدم للإنسان على هذه الأرض الطيبة شيئاً يُذكر أكثر من الحبر الذي خُطت به توصياتها التي لم يُكتَرث بها فضلاً عن تفعيلها أو تنفيذ بعضها. ولكن الأمر هذه المرة يبدو مختلفاً. فالدعوة التي تلقيتها قبل عدة أيام لحضور جانب من فعاليات برنامج موهبة الإثرائي الصيفي بأرامكو لرعاية الموهوبين، والذي تُقيمه وتُشرف عليه مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" بالمشاركة مع شركة أرامكو السعودية، غيرت بعضاً من القناعات والذكريات السلبية الراسخة لدي. ما وجدته من نظرات ثاقبة وتطلعات واثقة وحركة دؤوبة ونشطة ولوحة مفاتيح متعبة جراء نقر تلك الأصابع الذكية لكوكبة رائعة ولامعة من شباب مستقبل هذا الوطن. وجدت كل ذلك وأكثر في أولئك الفتية اليافعين الرائعين والقادمين من كل هجر وقرى ومدن المملكة العربية السعودية.

أعمل في سيرك - عفواً سلك - التعليم منذ "عشرين" سنة، كما يُقال في الدراما المصرية دائماً، وأشرفت على عدة مراكز صيفية، وشاركت في العديد من الدورات والملتقيات الطلابية، ولكن - وما أجملها من لكن هذه المرة - الذي شاهدته في هذا البرنامج الاستثنائي أمر آخر! كل شيء هنا في "موهبة" يضج بالحركة والنشاط والعلم والدرس والتدريب والنقاش والجدية والدقة والنظام، وتلك مفردات لا وجود لها -للأسف الشديد- في مؤسساتنا التعليمية المختلفة. يوم حافل وطويل ينتظر 100 من المتميزين والموهوبين الحقيقيين الذين تم اختيارهم بدقة وشفافية وأحقية، يبدأ من الساعة السادسة والنصف صباحاً ولا ينتهي إلا في الحادية عشرة ليلاً، ويستمر هذا البرنامج لمدة 30 يوماً دون عطل أو إجازات. لقد أشفقت على هؤلاء المميزين الصغار من كثرة البرامج والمناهج والورش والتدريبات والمشاريع والتطبيقات، نعم أشفقت عليهم، ولكنني في حقيقة الأمر أشفقت على زملائهم المتسكعين في الطرقات والمنجرفين نحو الترهات والسخافات والآفات، حتى أولئك المنضمين لبعض المراكز الصيفية المنتشرة بكثافة على امتداد الوطن نالهم من تلك الشفقة الشيء الكثير.

لقد دُعيت من قبل المشرفين على هذا البرنامج لكي أنقل لهؤلاء المميزين الموهوبين بعضاً من تجربتي المتواضعة والقصيرة في كتابة المقال الصحفي، أو هكذا فهمت، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. لقد تعلمت من أولئك اليافعين الرائعين المعنى الحقيقي للوقت والإرادة والإصرار والتحدي والصبر والإنجاز والمشاركة والعمل كفريق واحد، وتلك مفردات افتقدتها طويلاً في خضم عملي المضني في التعليم العام.

كم كنت أتمنى من كل قلبي لو أن تلك النافذة الواسعة الـ"you tube" التي طالما دست أنفها في كثير من تفاصيلنا المخجلة والمريرة، لو أنها بثت لنا ولكل العالم صوراً ومشاهد تدعو للفخر والسعادة والأمل، بانوراما رائعة لجيل واعد يضج بالموهبة والإبداع والإنجاز.

تلك انطباعات ومشاهدات قد تكون وجدانية وانفعالية ومتحمسة بعض الشيء، ولكن ما العيب في ذلك مادامت تُعيد الثقة لي -وأظنها لكم أيضاً أعزائي القراء - من جديد بالمستقبل الزاهر بوجود هذه السواعد الفتية والعقول الذكية.
سأحاول في المقال القادم أن أبدو أكثر برجماتية وأعود قليلاً إلى الواقع وإلى رشدي لأتحدث قليلاً عن هذه المؤسسة الوطنية الرائعة - مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" - كما لن يفوتني أن أضع بعض النماذج المشرفة التي خرجت من رحم هذه البرامج، لكي لا يبدو الأمر وكأنه مجرد بروباجندة دعائية وإعلامية. موعدنا الثلاثاء المقبل.

 



الكاتب:

فاضل العماني