تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#ابتكار#

14128

تعليم التفكير المنطقي

 

لقد أكدت الفلسفة اليونانية و الفلسفة العربية الإسلامية على أهمية التفكير المنطقي في الصحة النفسية. ومن العبارات القديمة المشهورة في هذا المجال، تلك العبارة التي تقول "ليست الأحداث التي يواجهها الناس هي ما يسبب انزعاجهم، بل الناس هم الذين يسببون الإزعاج لأنفسهم من خلال الطريقة التي ينظرون فيها للأحداث"(Craske,2010).
وقد أشار أحد علماء النفس المعاصرين وهو ألبرت إليس (Ellis,2003) إلى أن العبارات الذاتية التي يستخدمها الإنسان في الحديث مع ذاته هي المسؤولة عن مشاعر القلق والاكتئاب والغضب التي يشعر بها أو عن التصرفات المرتبطة بهذه المشاعر مثل الانزواء و العزلة و السلوك العدواني تجاه الذات أو الآخرين.

ويقترح إليس نموذجاً في تفسير الاضطرابات و الصحة النفسية يسميه نموذج ABC  فالرمز A   يدل على الحوادث التي نقابلها في حياتنا اليومية وهو الحرف الاول من المصطلح (Activating Events) ويعني الأحداث التي تمر بنا  و التي تحرك عملية التفكير لدينا وتؤدي إلى حالة انفعالية مثل الشعور  بالارتياح أو الانزعاج . هذه الأحداث تشمل كل ما يواجهنا في حياتنا، مثل الاستيقاظ في وقت مبكر أو متأخر، النظر إلى الساعة وملاحظة ضيق الوقت اللازم لكي نعد أنفسنا للذهاب للعمل، النظر من النافذة وملاحظة أن الدنيا تمطر، اكتظاظ الحافلة التي نستقبلها بالركاب، مشاهدة شخصين يتشاجران في الطريق، سيارة تمر مسرعة وترشقنا بمياه الأمطار المتجمعة، زميلنا يمر دون أن يلقي التحية، مدير المدرسة يبدو متجهماً...


أما الرمز (B) فيدل على نظام المعتقدات لدينا (Belief System) وهو يتألف من القناعات الموجود لدينا و التي تظهر في حديثنا مع الذات بعد إدراكنا للحادث (A). فمثلاً مجرد الاستيقاظ المبكر قد يجعل الشخص يفكر بأنه يتمنى لو يتاح له المجال لينام فترة أطول، وأن من المؤلم أن تسير الأمور على غير ما يتمنى.
أما الرمز ( ( C فيشير إلى النواتج الانفعالية أو السلوكية التي تظهر في هذا الموقف (Consequences). وفي المثال الذي ذكرناه،فإن الاستيقاظ المبكر سوف يعطي الشخص شعوراً بالانزعاج وقد يعرب عن تذمره من الحياة وقد يقطب جبينه ويظهر في وضع غير مريح لمن يراه. ومنظره المتجهم هو حدث بالنسبة للشخص الذي ينظر إليه (A) يستثير نظام المعتقدات لدى الناظر (B) فيؤدي إلى نواتج انفعالية لديه وسلوك (C). فقد يفكر الشخص الثاني: إن وجهه يتكدر عندما يراني.لا شك أنه لا يحبني، وينتقل من ذلك إلى الشعور بالانزعاج.

والناس يفكرون عادة بأن الحوادث التي يتعرضون لها هي السبب في ما يشعرون به من انزعاج أو تعاسة أو اكتئاب أو غضب أو صراخ. أي أنهم يعتقدون بأن (A) هي سبب (C). ففي المثال السابق قد يقول الشخص الأول بان الاستيقاظ المبكر هو سبب شعوري بالانزعاج وما تبعه من تجهم وتقطيب، ويقول الثاني بأن تجهم الشخص الأول هو السبب في شعوره بالانزعاج. وهذا التفكير في رأي (إليس) غير صحيح لأن ما أدى إلى تقطيب الشخص الأول هو تفكيره بأن من المؤلم أن تسير  الأمور على غير ما يتمناه. وما أدى إلى انزعاج الشخص الثاني هو استنتاجه الخاطئ بأن الشخص الأول لا يحبه ووجود اعتقاد لديه بأنه يجب أن يكون محبوباً.أي أن الحوادث (A) ليست السبب المباشر الذي أدى إلى النواتج (C)، بل نظام المعتقدات (B)  هو السبب المباشر للنواتج (C). فإذا كانت النواتج التي أعيشها في حياتي اليومية غير مناسبة وغير مريحة، فإن علي أن أعيد النظر في نظام المعتقدات الذي أستخدمه في فهم الحوادث وتفسيرها وتقييمها.

ويمكن تلخيص أفكار (إليس) حول العلاقة بين نظام المعتقدات لدى الفرد و الاضطرابات الانفعالية على النحو التالي:

1. الإنسان كائن عاقل وعندما يفكر بطريقة عقلانية يكون منتجاً وسعيداً.
2. قد يفكر الإنسان بطريقة غير عقلية وغير منطقية مما يؤدي إلى خفض الإنتاجية و إلى الشعور بالتعاسة أو الاضطراب الانفعالي.
3. ينشأ التفكير غير العقلي أو غير المنطقي لدى الفرد من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية.
4. يتم التفكير عن طريق الرموز و اللغة باستخدام الحوار الداخلي أو الحديث مع الذات. و التفكير غير المنطقي يؤدي إلى حالة انفعالية غير مريحة، وتستمر الحالة الانفعالية باستمرار التفكير الذي أنتجها.
5. إن الاضطراب الانفعالي ليس نتيجة مباشرة للأحداث التي نواجهها في حياتنا وإنما هو نتيجة لما تثيره تلك الأحداث لدينا من أفكار.
6. ينبغي على الفرد أن يلاحظ الأفكار غير المنطقية لديه و التي أدت إلى الانفعالات السلبية وأن يعمل على تحديدها ومراجعتها وتصحيحها ليستبدل بها أفكاراً عقلية منطقية.
وقد أورد (إليس) إحدى عشرة فكرة غير عقلانية موجودة لدى الناس، وقد أظهرت دراسات متعددة وجود مثل هذه الأفكار في معظم الثقافات.كما  أظهرت الدراسات ارتباط الأفكار اللاعقلانية بالاكتئاب والغضب وسلوك العزلة والانطواء والسلوك العدواني.
وفيما لي توضيح للأفكار اللاعقلانية كما وردت عند (إليس).

 
الفكرة الخاطئة الأولى:

من الضروري أن يكون الشخص محبوباً أو مرضياً عنه من قبل كل المحيطين به.
ومن الأمثلة التي توضح خطأ هذه الفكرة القصة التالية التي وردت في الأدب العربي عن جحا وابنه وحماره .
مشى جحا وابنه ومعهما الحمار باتجاه القرية. فقال بعض الناس عجيب، يمشي الرجل و الولد ولا يركبان الحمار. فوضع جحا ابنه على ظهر الحمار وتابع سيره، فقال بعض الناس "يا عيب،الولد يركب و الشيخ يمشي". فركب جحا الحمار وترك ابنه يمشي فقالوا "هذا رجل قاس يترك الطفل يمشي وهو راكب."فوضع جحا ابنه خلفه على الحمار فقالوا " يا للحمار المسكين يركبه اثنان معاً"فحمل جحا وابنه الحمار وسارا.
إن مغزى القصة هو أنك لا تستطيع أن ترضي جميع الناس في جميع الأوقات. والتفكير المنطقي البديل جاء في الحكمة القائلة "إرضاء الناس غاية لا تدرك".


الفكرة الخاطئة الثانية:

من الضروري أن يكون الفرد على درجة كبيرة من الكفاءة و الإنجاز والتنافسية حتى يكون شخصاً ذا قيمة.
هذه الفكرة مستحيلة لأن من غير الممكن أن يكون الإنسان كاملاً، ولا يمكن ان يكون الأول في جميع الظروف.إن وجود هذه الفكرة سوف يؤدي إلى مشاعر النقص ويقلل من استمتاع الإنسان بالحياة ويجعله في حالة صراع دائم من أجل التفوق على الآخرين.
إن الشخص الذي يمارس نشاطاً رياضياً لكي يستمتع بذلك، هو أكثر منطقية من الشخص الذي يلعب لكي يثبت أنه متفوق على الآخرين، والأول أكثر تقبلاً للنتائج مهما كانت من الثاني.


الفكرة الخاطئة الثالثة:

بعض الناس سيئون وحقيرون، وأنا لا أطيقهم لأنهم يضغطون على أعصابي.
هذه الفكرة غير منطقية لأن المعايير التي تحدد ما هو سيء وما هو جيد هي معايير نسبية تختلف من شخص لآخر.كما أن من غير المنطقي أن تجعل نفسك عرضة للاضطراب لأن بعض الناس لا تعجبك تصرفاتهم.


الفكرة الخاطئة الرابعة:

إنه لمن المصيبة أن تسير الأمور على غير النحو الذي أريده.
في الواقع لا يوجد سبب يجعل الأشياء تسير بحسب هوانا، وانزعاجنا من ذلك لن يغير الموقف بل قد يزيده سوءاً.
والتفكير المنطقي هو في قول الشاعر:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه                               تجري الرياح بما لاتشتهي السفن


الفكرة الخاطئة الخامسة:

تنتج التعاسة عن ظروف خارجية لا يستطيع الفرد التحكم بها.
إن تعاسة الفرد في الواقع هي نتيجة للعمليات المعرفية التي تحدد الطريقة التي يدرك بها الأحداث أو الظروف الخارجية. كما تحدد العمليات المعرفية الطريقة التي يفهم من خلالها الفرد الأحداث ويفسرها ويقيمها. فمثلاً، قد يحصل عدة طلاب على درجة واحدة فيفرح أحدهم ويشعر بالابتهاج، ويغضب الثاني، ويشعر الثالث بالاكتئاب، ولا يهتم الرابع كثيراً. إن الحدث الذي تعرضوا له واحد ولكنهم استجابوا بطرق مختلفة، كل حسب توقعاته وفهمه وتفسيره للموقف.


الفكرة الخاطئة السادسة:

إن الأشياء الخطرة أو المخيفة تعد سبباً للانشغال البالغ، ويجب على الإنسان أن يتوقع حدوث هذه الأشياء في كل وقت من حياته.
الصحيح هو أن التفكير الدائم بالحوادث الخطرة لا يمنع وقوعها، ويأخذ الكثير من الجهد والطاقة ويمنع الإنسان من الاستمتاع بحياته، وربما كان القلق بشأن الحوادث أكثر خطورة من الحوادث ذاتها.


الفكرة الخاطئة السابعة:

من الأفضل للمرء أن يتجنب الصعوبات أو المشكلات بدلاً من أن يعمل على مواجهتها.
وفي الواقع قد لا يكون تجنب الصعوبات أو المشكلات هو الحل الأمثل دائماً، وفي بعض الحالات قد تزيد المشكلات تعقيداً إذا لم نعمل على مواجهتها.


الفكرة الخاطئة الثامنة :

ينبغي أن يكون الفرد معتمداً على شخص آخر أقوى منه يستند إليه.
يكمن خطأ هذه الفكرة في أن الاعتماد الزائد على شخص ما يفقد الإنسان استقلاليته ويجعله تحت رحمة ذلك الشخص. صحيح أن كل إنسان يحتاج إلى دعم الآخرين المادي و المعنوي و العاطفي، إلا أن تركيز مصادر الدعم في شخص واحد ليس أمراً منطقياً.
الفكرة الخاطئة التاسعة:
إن الخبرات المتصلة بالماضي هي المحددات الأساسية للسلوك في الحاضر، وأن تأثير الماضي على الإنسان لا يمكن استبعاده.
إن خطأ هذه الفكرة يظهر في كونها تجعل الإنسان أسيراً للماضي. صحيح أن ماضي الإنسان يؤثر في حاضره، إلا ان الإنسان لديه الإمكانية لتجاوز الماضي باستمرار، إن من غير المنطقي أن نجتر أحداثاً مأساوية حدثت معنا في الماضي. فما حدث لا يمكن تغييره، ولكننا نستطيع التحكم بالآثار السلبية لتلك الأحداث وأن نتجاوزها بالتفكير المنطقي.


الفكرةالخاطئة العاشرة:

ينبغي على الفرد أن يحزن ويتألم لما يصيب الآخرين.ولا يحق له أن يشعر بالبهجة إذا كان غيره يشعر بالألم.
إن من الطبيعي أن تؤثر مصائب الآخرين علينا وأن تسبب لنا الضيق، لكن من غير المنطقي أن نتوقف عن الحياة بانتظار أن تنتهي مشاكل الآخرين، فهي في الواقع لا نهاية لها. ويكفي أن تستمع إلى نشرة أخبار العالم في أي وقت لترى مقدار ما فيه من مآسٍ، إلا أن ذلك يجب ألا يحول دون أن يمارس الإنسان نشاطاته ويستمتع بحياته.


الفكرة الخاطئة الحادية عشرة:

هناك حل واحد صحيح وكامل لكل مشكلة، ويجب على الإنسان ألا يقبل إلا بذلك الحل.
هذه الفكرة غير منطقية لأنها تجعل صاحبها يرفض الحلول الجزئية أو المؤقتة بانتظار الحل الكامل الذي يعده صحيحاً، وهو بذلك يضيع على نفسه الكثير من الفرص. والبديل المنطقي هو القبول بالحلول الوسط. فقد يختلف الزوجان أو الزملاء أو الأخوة ويصر كلاً على الحلّ المناسب له ويضيعون الوقت و الجهد في الصراع. وفي حين أن الحل الوسط ليس هو الحل الكامل بالنسبة لأي منهم، إلا انه الحل الذي يساعد على تجاوز الصراع و التوتر وتوفير الوقت والجهد والإمكانات التي تضيع في الصراع.

وبشكل عام، تتسم الأفكار غير المنطقية بالجمود، وتصاغ على نحو يفتقر إلى المرونة، والتفكير غير المنطقي يتضمن الحتمية، وتبدأ عباراته بكلمات مثل:يجب ،وينبغي،ولا بد ،ومن المحتم...
أما التفكير المنطقي فيتسم بالمرونة و الاعتدال. ونلاحظ وجود التوجيه نحو التوسط والاعتدال في الكثير من الآيات الكريمة، وفي السيرة النبوية الشريفة، وفي أقوال وتصرفات الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً.

فمن الآيات القرآنية الكريمة قوله تعالى:

"والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" (الفرقان: 67)
"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" (الإسراء: 29)
"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" (الأعراف : 31 )
"وكذلك جعلناكم أمة وسطا" (البقرة : 143)

وفي السيرة النبوية نجد توجيهاً واضحاً للمسلمين للبعد عن الإفراط و التفريط. قال صلى الله عليه وسلم:"إن هذا الدين متين فأوغل برفق فإن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهراً أبقى". ووصف نفسه قائلاً:"إنني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". ومن الأقوال التي رويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله:"اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" وقوله لمن انزوى في المسجد تاركا شؤون حياته "لا تمت علينا ديننا أماتك الله".
إن التفكير المنطقي قابل للتعليم. ويتطلب ذلك أن يحتفظ الشخص بمفكرة يسجل عليها لمدة أسبوع الأحداث التي تمر به يومياً وتؤدي إلى إثارة المشاعر السلبية لديه مثل الشعور بالغضب أو القلق او التوتر أو الحزن أو الانزعاج.كما يسجل الأفكار أو العبارات الذاتية التي استخدمها في إدراك الأحداث وتفسيرها، ثم يقوم بفحص هذه الأفكار والعبارات الذاتية ليلاحظ هل هي منطقية أم غير منطقية. فإذا انزعج الفرد لأنه سمع من أحد الأشخاص ملاحظة سلبية، فعليه أن يلاحظ ما الأفكار والعبارات الذاتية التي دارت في خلده عند سماعه للملاحظة. وعليه أن يتساءل عما سبب انزعاجه، هل هي الفكرة القائلة"يجب أن أكون محبوباً ومرضياً عني من قبل جميع الناس" أم الفكرة القائلة "يجب أن أكون على درجة كبيرة من الكفاءة و الإنجاز حتى أكون شخصاً ذا قيمة.
وبعد تحديد الفكرة غير المنطقية، يعمل الفرد على أن يستبدل بها فكرة منطقية مثل "إرضاء الناس غاية لا تدرك" أو "الكمال لله عز وجل".كما يعمل على التدرب على استخدام الفكرة المنطقية عندما يتعرض لأحداث تثير مشاعر الإزعاج أو الغضب أو القلق لديه.



الكاتب:

أ.د.محمد نزيه حمدي