تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#

6715

الموهبة الثقافية عند الأطفال

 

 

إنَّ ظاهرةَ الطفلِ الموهوب قد لفتتْ نظرَ المفكرين والمربين منذ أقدم العصور، وحاولَ بعضُهُمْ أَنْ يقدمَ تفسيراتٍ شتى لهذه الظاهرة، كما اُسْتُخْدِمَتْ مصطلحاتٌ للدلالة عنها: كالعبقرية والنبوغ والإبداع.


وفي الواقع أنَّ الموهوبَ يختلفْ عن المبدع، فالموهوبُ هو الذي يملكُ قدرةً عقلية عالية، أما المبدعُ فيتسمُ بالإنجاز الجديد الأصيل. وينظر علماء النفس في أثناء تعاملهم مع الموهوبين إلى المستقبل، في حين ينظرون إلى الماضي في أثناء تعاملهم مع المبدعين، وكأنهم في حال الموهوبين يضعون الإعداد والرعاية والتوجيه نصب أعينهم، كي يتمكنوا من الاستفادة المستقبلية من هؤلاء الموهوبين.


وحاولت في هذه المحاضرةِ التقيدَ بهذه النظرة المستقبلية للموهوبين في الحقل الثقافي، فنظرتُ إلى دلالاتِ الموهبة الثقافية، ومكتشفيها، وأسسِ رعايتها. فالأطفالُ الموهوبون ذخيرةٌ يجب أن تصانَ، ولا يجوز أن تُبَدَّدَ، فهم القوةَ التي تدفعُ بالبشرية إلى الأمام، وهم القلمُ الذي يكتبُ التاريخ، وهم وديعةُ الوطن وثروته.

 

الموهوبون

 

يختلف علماء النفس والتربية في تعريف الموهوبين، إلا أنهم يتفقون على أنَّ التفوقَ العقلي، وارتفاعَ نسبةِ الذكاء، هما أساسُ التعرف عليهم. وقد أثبت علماءُ النفس: أنَّ نسبةَ الذين تقلُّ نسبةُ ذكائهم عن (60) من حاصل الذكاء -وهم المتخلفون عقلياً - تصل إلى ( 2.5 % ) من مجموع أفراد أي مجتمع، في حين أنَّ الذين تتراوح نسبةُ ذكائهم بين ( 90 – 110 )- وهم متوسطون الذكاء- تصل نسبتهم إلى حوالي (50 %)، وأما الذين تزيد نسبة ذكائهم عن ( 130 ) - وهم المتفوقون عقلياً - فلا يتجاوزون (2.5 %) من مجموع أفراد المجتمع.


وبذلك يُمكنُ تعريف الموهوب: بأنه الفردُ الذي تزيد نسبة ذكائه عن ( 130 ) من حاصل الذكاء. وصفة (الموهوب) تعني قدرةً عقليةً عاليةً جداً. وتدل الموهبة على أولئك الذين يملكون بعضَ القدرات الخاصة بشكل متميز، مثل الرسم، والشعرِ، والكتاباتِ الإبداعية، والرياضةِ، والحرفِ اليدوية، والمهاراتِ الميكانيكية، والقيادةِ الجماعية.

وتؤكدُ البحوث الحديثة أن الموهبةَ ذاتُ صلة بالذكاء، وأن أصحابَ المواهب أناسٌ توافرت لهم ظروفٌ بيئيةٌ ساعدت على إنماء ما لديهم من طاقة عقلية، وتمايزُها في اتجاه الموهبة، وأن نجاحَ الفرد يثير لديه قدراً مناسباً من الدافعية للمثابرةِ والدأَبِ، وهذا بحد ذاته يحققُ للفرد أداءً متميزاً في المجال الذي برزت موهبته فيه.
دلالات الموهبة الثقافية.


إن الموهبةَ الثقافية تقاسُ بدلالاتها الخارجية، كالتفوق في القراءة، والتعبير، والميلِ إلى المطالعة، وتذوقِ الجمال في النصوص المكتوبة والمسموعة، والقدرةِ على مخاطبة الآخرين وإيصالِ الأفكار إليهم، والمساهمةِ في النشاط اللغوي العام، والاندفاعِ الذاتي للنقد والحكم والتحليل. وهذه الدلالاتُ التي تعلنُ السلوك الثقافي، يصعبُ تحديدُ أسبابها، لأنها عملٌ تراكمي يحتاج إلى سنوات طويلة.


وثمة اقتراحٌ تقدم به الدكتور سمر روحي الفيصل في كتابه (ثقافة الطفل العربي) ، يحددُ فيه الدلالاتِ التالية للموهبة الثقافية، وأراه مناسباً:

القدرةُ على تحليل المقروء والمسموع ونقده وتذوقه.

القدرةُ على استعمال اللغة العربية الفصيحة في الاتصال بالآخرين شفوياً وكتابياً، مع وضوح الأفكار ودقتها وصحتها وتنظيمها.القراءةُ السليمة المعبرة.

القدرةُ على فهم المعاني والأفكار من خلال القراءة الصامتة. 

الجرأةُ الأدبية والقدرةُ الخطابية والتمثيلية.

الميلُ إلى المطالعة الحرة.

القدرةُ على الإحساس بالجمال وتذوقه في النصوص.

التفوقُ على الأقران في لون من ألوان النشاط اللغوي أو الأدبي أو الثقافي.

 

مكتشف الموهبة الثقافية


إنَّ مُهِمَّةَ البحثِ عن الطفل الموهوب، مُهِمَّةٌ مشتركة بين الآباء والمعلمين، فالتعاون عامل أساسي؛ ليس في اكتشاف الطفل الموهوب فحسب، بل وفي توفير الفرص له كي ينموَ روحياً وجسمياً وعقلياً.            

وبالدرجة التي يشتركان بها في هذه المسؤولية، يتقاسمان الفخرَ بهذا الطفلِ وبالرضا عن أعماله، وبذلك يجمعان بين الرضا والحرص على أن يجعلا من هذا الطفل ذي المواهب النادرة شخصيةً متكاملةً متفوقة.

ونحن في العادة، نكتشفُ الموهبةَ الثقافية مصادفة، كأن نسمع طفلاً يقرأ قراءة سليمة معبرة، أو نراه في موقف خطابي معين، أو نقرأ شيئاً كتبه. لكنَّ هذا الاكتشافَ ليس مهماً، لأن موهبةَ الطفل برزت من خلال سلوكه الثقافي، وأعلنت عن نفسها دون أن يكون لأحد دورٌ في ذلك.

ومن الممكن، أن يستفيدَ الآباءُ والمعلمون من ملاحظة أيِّ مؤشرٍ لموهبة ثقافية عند الطفل، ثم تأتي الرعايةُ والمتابعة. ويمكنهم أيضاً أن يرتفعوا إلى مستوى مكتشفي المواهب الثقافية، إذا امتلكوا القدراتِ والمعارفِ اللازمة لمتابعة الأطفال الموهوبين ثقافياً. أما القدراتُ والمعارفُ اللازمة لمكتشف المواهب الثقافية فهي:

القدرةُ على الملاحظة المستمرة.

القدرةُ على إثارة الطفل الموهوب. 

القدرةُ على توجيه الطفل الموهوب.

المعرفة الثقافية واللغوية.

معرفة مراحل نمو الطفل . 

معرفة صفات الطفل الموهوب وحاجاته.


ومن المتفق عليه، أن الطفلَ الموهوبَ في القصة مثلاً، لا يشترط فيه أن يكون موهوباً في الخطابة أو الشعر أو الأداء المعبر أو المقالة، ولهذا السبب يحتاج مكتشف الموهبة الثقافية إلى الملاحظة المستمرة، ليكتشفَ ميول الطفل الموهوب. وكذلك ليست موهبة الطفل عامة شاملة، وإنما هي محدودةٌ بمن هم في سنه وعمره العقلي، أي أنه موهوب بالقياس إلى أقرانه، وليس موهوباً بالقياس إلى من هم أكبر منه أو أدنى، ويؤخذ ذلك بعين الاعتبار أثناء رعاية الطفل الموهوب ثقافياً وتوجيهه ومتابعته.

 

أسس الرعاية والتوجيه


إن رعايةَ الموهبة الثقافية غيرُ مقصورة على الاهتمام بالطفل الموهوب والتعاطف معه، فهذان الأمران مطلوبان ولكنهما غير كافيين لتنمية الموهبة الثقافية وتوجيهها. لأن الرعاية تعني العملَ العلمي الواعي مع الموهوبين، وهذا العمل يستند في العادة إلى ثلاثةِ أسس، هي :
 تهيئة الظروف الموضوعية لنمو الموهبة.
 الإشراف والمتابعة والتوجيه.
 التنافس.


فالموهبةُ تخبو إذا لم تكن الظروف المحيطة بها قادرة على تنميتها  وأهم هذه الظروف: الحريةُ والفرديةُ والتشجيع. ذلك أن الموهبة الثقافية لا تنمو في ظروف القهر وسيطرة الكبير على الطفل الموهوب، وتوجيهه بحسب رغباته وآرائه .


 وتتيح علاقة الود بين الموهوب والمربي فرصةَ الاقتراب من الطفل الموهوب وتوجيهه ، وتتيح له أيضاً فرصةَ متابعته، ومعرفة استجابته للمواقف؛ والمعوقات التي تحول دون دخوله حقل الإنتاج الثقافي.

ثم إن التنافسَ بين الموهوبين، يحْفِزُ الموهبةَ الثقافية على التفتح، ويدفعُ الطفلَ إلى تجويد إنتاجه والتدقيق فيه، ومن البديهي أن يكونَ التنافسُ تربوياً بعيداً عن الحسد والغيرة والمشكلات التي تنتج عنهما.


ومتى أدرك الآباء أنَّ طفلَهم موهوبٌ، فمن الخير أن يبادروا بالتفكير في مستقبله، وأن يرسموا خُطَّتَهم من الآن لكي يواصلَ ابنهم تعليمه، وألاَّ ينتظروا حتى يتخرج من المدرسة الثانوية، والإعداد للمستقبل خطوة أساسية جوهرية لعدم التبذير في مواهب أبنائهم .


 وتحتل الرعاية مكانةً مهمةً في العمل مع الموهوبين، على أن تتكاملَ المصادرُ التي تقوم بها، وتوظِّفُ جَهْدَها للإشراف والمتابعة والتوجيه، فالأسرة والمدرسة والمجتمع هي مصادر الرعاية، وتحتضن الأسرةُ الموهبة، وتوفرُ لها حاجاتِها الأساسية، وتدفعها إلى الإنتاج وتحوطُها بالحرية، كما أنها تشجِّعُها وتزيلُ العقباتِ التي تعترضها. وتحتل المدرسة المكانة الثانية في رعاية الموهبة الثقافية، ومن واجباتها فتحُ سجل للتلاميذ الموهوبين، تُدوَّن فيه تطوراتُهم وسلوكُهم الثقافي ومشاركاتُهم في العمل الثقافي المتميز طوال السنوات الست؛ التي قضاها الطفل الموهوب في المدرسة الابتدائية. كالكتابة في صحف الصف والمدرسة، والخطابة في المناسبات، والنشر في المجلات، والمشاركة في المسابقات داخل المدرسة وخارجها.


ولاشك في أن وسائلَ الإعلام تساهمُ في الرعاية من خلال احتضانها الإنتاج الثقافي للموهوبين، فمجلاتُ الأطفال مُطَالَبَةٌ بمتابعة الموهوبين الذين يكتبون ويتصلون بها، ولا بأس في هذه الحال من تزويدهم بالكتب والمجلات، ونشرِ صورهم، ونقدِ إنتاجهم، ومتابعةِ سلوكهم الثقافي.

وأخيراً، نجد أنَّ الملاحظةَ المباشرة للطفل في ظروفه المختلفة، تُعطي معلوماتٍ ثمينةٍ عنه، لا تُعطيها أيُّ طريقةٍ أخرى أو أيُّ مصدرٍ آخر، وكذلك توفيرُ الظروف الموضوعية والمربين المؤهلين والتشجيع . لأن مستوى الموهوبين ليس واحداً، وينبغي إثراء المناهج المدرسية بمواد إضافية لإشباع حاجات الأطفال الموهوبين، والتركيز على الطفل في عملية التعليم، لأن هذا أصبح مطلباً أساسياً في المدرسة الحديثة، وييسر فرصة تفريد التعليم، ومراعاة للفروق الفردية بينهم، وينبغي أيضاً استخدام الطرق الاستكشافية في التعليم لمساعدة الطفل على إشباع حاجته للكشف والتنقيب والاطلاع والتخيل، لأن هذه الطرق تساعد على رعاية الموهبة الثقافية عند الأطفال وتنميتها، فالطفل الموهوب رجل المستقبل، وليس الحاضر سوى الإعداد لهذا المستقبل.



الكاتب:

أ. بهاء الدين عبد الله زهوري