تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#

10529

دور الأسرة في رعاية الطفل الموهوب

 

تعتبر الأسرة البيئة الأساسية التي يمارس فيها الفرد حياته، وتشكّل  شخصيّته الوجدانية والعلمية، ويستمد منها ملامح شخصيته في المستقبل، من هذا المنطلق تأتي أهمية دور الأسرة في اكتشاف موهبة الطفل وضرورة توفير وسائل الرعاية اللازمة له لتنمية قدراته وإمكاناته، وتهيئة جو إبداعي وحياة متوازنة بين العقل والجسد لاكتمال الموهبة بداخله وتوظيفها لخدمة البشرية، خاصة إذا علمنا أن الموهوب شخص يحتاج إلى رعاية خاصة تكفلها الأسرة والمدرسة ،حتى يتمكن من تفجير طاقاته والوصول لمرحلة الإنجاز والتميز .


وللأسف نجد كثير من الأسر تفتقر للخبرة في التعامل  مع الموهوب بسبب قلة التدريب وندرة الهيئات المتخصصة في التربية، والتي تساعد أولياء الأمور على استيعاب موهبة الطفل والقدرة على احتوائه وحسن التصرف تجاه أسئلته غير العادية، كذلك العمل في  مساعدته على تخفيف القلق الذي يعد السمة الغالبة عند الطفل الموهوب، نتيجة صعوبة التكيف الاجتماعي في الأسرة والمدرسة، وهذا يتطلب جهداً متواصلاً من طرف الأسرة، لتتمكن من متابعة الحالة النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب.


وقبل استعراضنا للأساليب الحديثة المتبعة في دول العالم المتقدمة لرعاية الموهوب من قبل الأسرة يجب التوقف عند أهم المفاهيم الحديثة التي أُطلقت على موهبة الطفل، وحددت الإطار النفسي والتربوي لها، والمتابع  للمفاهيم التي قدمت على مدى العشرين سنة الماضية، يجد تفاوتًا كبيرًا في المعنى الاصطلاحي للموهبة، لأنه مصطلح مجرد يحتمل عشرات المفاهيم، فمن الناحية اللغوية تتفق المعاجم العربية والإنجليزية على أن الموهبة هي :(قدرة واستعداد فطري لدى الفرد)، أما من الناحية التربوية والاصطلاحية فهناك صعوبة في تحديد وتعريف بعض المصطلحات المتعلقة بمفهوم الموهبة، والتي تعتبر سمات معقدة تؤهل الفرد للإنجاز المرتفع في بعض المهارات والوظائف، وبذلك فالموهوب هو ذلك الفرد الذي يملك استعدادً فطريا تصقله البيئة، وفي الغالب يكون في مجال محدد مثل الموسيقى، الشعر، الرسم.


وأكد العالم ( ,Terman1952)  أن وراثة الموهبة أمر يصعب حسمه لأنه من الصعوبة دراسة الوراثة لسمات الشخصية لدى الأفراد. فالموهبة شأنها شأن جميع الخصائص الجسمية والسيكولوجية ترتبط بالتأثير المتبادل بين الأنموذج الوراثي والوسط البيئي، وأجمعت النظريات التربوية على تأثير البيئة في نمو الموهبة، والعكس صحيح.


 والنتيجة التي وصل إليها العالم "تيرمان"  أن صناعة الموهبة تخضع لعاملين هما: ( الوراثة و والبيئة)  فالوراثة توجد الاستعدادات،  والبيئة إما أن تفجّر هذه الاستعدادات وتنميها أو تطفئها إذا كانت بيئة جاهلة فقيرة الإمكانيات والخدمات الإرشادية والاجتماعية.

وقدم "أفلاطون" من ألآف السنين، ضمن جمهوريته المثالية، بحثاً اختار فيه الأطفال الموهوبين من الأسر متدنية الدخل المادي  (طبقة الفلاحين،  والصناع)،  وزودهم بالعلوم والمعارف ومنحهم الاهتمام الخاص لاعتقاده بأن الاستعدادات تولد مع الطفل،  لكن البيئة إما أن تنميها أو تطفئها.


وعبّر الكونغرس الأمريكي عن اهتمامه بالطفل الموهوب من خلال المشروع رقم (806)الصادر في كانون الأول عام (1969م)، حيث تمّ  تكليف وزارة التربية بمهامٍ  كثيرة تتلخص في الاهتمام بالمناهج التعليمية التي تتلاءم مع الأطفال الموهوبين، وتناسب قدراتهم العقلية وحاجاتهم النفسية والاجتماعية.


وقد عرّف ميثاقُ التربية (1978م) الأطفال الموهوبين: أنهم يمتلكون قدرات عالية على إمكانات أدائية مميزة  في النواحي العقلية والإبداعية والأكاديمية والقيادة والفنون البصرية، ويتم التعرف على الأطفال النابغين في المدارس بإخضاعهم لاختبارات الذكاء أواختبارات ومعايير أخرى،  لذلك فإن على الآباء التنبه لهذه المسألة في السنوات الأولى من عمر الموهوب،  وإدراك حقيقة الفجوة بين نمو الطفل العقلي ونموه الاجتماعي والعاطفي، بسبب تفوق قدراته العقلية وحساسيته المفرطة،  فيصبح لديه عالم داخلي خاص وفريد يدفعه لطرح أسئلة عن أسرار الكون، وبعض الأمور المجّردَة ، ما يجعل الوالدين في موقف أكثر تحدياً وصعوبة، فيثير القلق في نفوس الآباء، خصوصا أن هذا النوع من التفكير غير المألوف لدى الطفل الموهوب يصاحب مرحلة المراهقة . وقد يكون عمر الطفل الزمني ( 7 سنوات) وعمره العقلي (12 سنة) وعمره الاجتماعي(5 سنوات)، لذلك فإن على الأهل الحذر في التعامل مع الطفل الموهوب، وتوفير بيئة صحية داخل البيت تشجع على التعلّم والإبداع، والعمل على تدريب الموهوب على الإنجاز في سن مبكرة قبل التحاقه بالمدرسة.


وتقع على عاتق  أسرة الموهوب مسؤولية مهمة  في تفجير  موهبة الطفل وتطويرها، وفي نفس الوقت يمكن أن تسهم الأسرة في إعاقة موهبته وقتلها قبل أن ترى النور. ومن الحقائق العلمية المتداولة أن التربية المبكرة للطفل خلال السنوات الأولى من عمره،  تترك بصمات على شخصيته و أنماط سلوكه، وهذا ما يجعل علماء النفس وخبراء التربية يولون الرعاية الأسرية أهمية خاصة في استثمار الموهبة لدى الطفل.


وينبغي على الآباء عدم حرمان الموهوب من طفولته، ومنحه الفرصة كي يعيش مثل غيره من الأطفال العاديين، فهو بحاجة إلى تلبية بعض الاحتياجات الضرورية له، كاللعب والمرح واللهو مع أقرانه، لأنه لا يمكن للأسرة أن تتجاهل الاحتياجات العاطفية والاجتماعية والجسدية للطفل الموهوب، حتى لو كان مستوى تفكيره يسبق أقرانه بأعوام. ومن المهم كذلك مراقبة الموهوب بشكل دقيق دون  إشعاره بذلك،  ومن ثمّ تقوم أسرته بتقييمه بطريقة موضوعية، وغير متحيزة،  مع  الحرص على تلمس مواطن الإبداع لديه وتحفيزها والإلمام بها، والابتعاد عن المبالغة في تقدير الموهبة لدى الطفل،   بدافع التباهي والتفاخر، ما يوقع الطفل في متاعب جمة، بسبب إلحاح الآباء على ضرورة الحصول على مستويات عالية للتحصيل الدراسي،  ونظراً لمعاناة البعض من الموهوبين من تدني تحصيلهم العلمي، فقد يقعون فريسة للإحباط والشعور بالذنب أمام رغبة الأهل في حصول أطفالهم الموهوبين على درجات عالية في المدرسة.

 

ولاشك أنّ دور الأسرة سلاح ذو حدين،  فمن جهة يمكن للأسرة التي تبالغ في الاهتمام بأطفالها الموهوبين وتحرص على الضغط عليهم للتفوق في المدرسة، وبتر موهبتهم  بسبب الجهل، وقلة الخبرة في التعامل مع الموهوب، وبالمقابل فإن الإهمال وعدم المتابعة الدقيقة للموهوب من قبل الأسرة،  وعدم مساعدته على تخطي بعض المشاكل التي تعيق تطور إبداعاته وتؤدي إلى توقف عملية التطور السريع للموهبة لديه،  بينما أكدت الكثير من الدراسات المتخصصة على ضرورة التعامل مع الموهوب، بشمولية تركز على القدرة العقلية والمواهب الابتكارية والإبداعية، والسماح له بالاستمتاع  بطفولته كغيره من الأطفال.



الكاتب:

فريق تحرير البوابة