تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#

5773

براءات الاختراع الأكاديمية

 

عندما نتحدث عن براءات الاختراع فإننا نتحدث عن منتجات صناعية، ناتجة عن أبحاث علمية، وتسوق تجارياً في الأسواق من قبل مالكها – أو من يرخص له المالك –، ويصاغ طلب البراءة بطريقة قانونية تحمي مالك الفكرة من استغلال الغير لفكرته.


لذا لن نخوض في حديث قانوني بحت لكون قانون براءات الاختراع أُوجِد لحاجة تجارية نابعة من حاجة مستثمر في مجال تقني ما لأن يحمي استثماره التقني عند طرحه في الأسواق، والصورة المثلى للتطبيق قد تكون في شكل شركة صناعية لديها مركز أبحاث يقوم بتطوير منتجات تعطيه السبق في الأسواق عن غيره من المنافسين في نفس المجال، وتلبي حاجة المستهلك للمنتج الذي تقوم هذه الشركة بتطويره وتسويقه، كأن تقوم شركة أدوية – مثلاً – بالبحث والتطوير حتى تخرج بعلاج لمرض ما استثمرت فيه مبالغ طائلة بين رواتب باحثين وفنيين وأجهزة وتجارب واختبارات وغيرها، ثم ترغب هذه الشركة في حماية هذا الاستثمار الباهظ التكاليف ولا سبيل لها سوى نظام براءات الاختراع حتى تمنع المنافسين من تقليد المنتج نفسه دون جهد يذكر – سوى الهندسة العكسية غالباً – للحصول على نفس المنتج وبالتالي بيعه بسعر أرخص بكثير من سعر المطور الذي أنفق عليه الكثير من الوقت والجهد وكلاهما يعنيان المال.


يمكننا تشبيه نظام الملكية الفكرية – الذي تندرج تحته براءات الاختراع – بأي نظام ملكية عينية آخر، فكلاهما يثبتان ملكية شيء ما لمالكه، فنظام تملك العقار – مثلاً – يثبت أحقية مالك ما في عقار محدد وموصوف في عقد الملكية ويتم تسجيل الملكية لدى الدوائر المختصة حتى في حالة النزاع يمكن الرجوع لسند الملكية لتحديد حدود العقار، وفي براءة الاختراع يتم وصف الاختراع في طلب البراءة وتحديد حدود الملكية في عناصر الحماية (أو المطالب) claims التي تحدد ما يملكه مالك البراءة من الاختراع، ولتحقيق هذا الهدف يتم الرجوع لكل ما نشر من براءات اختراع وأبحاث علمية ومنتجات صناعية وغيرها لتحديد ما يملكه الآخر، وما يطالب به مقدم طلب البراءة، وبناءاً عليه يتم تحديد عناصر الحماية في طلب البراءة بما لا يتعدى على حقوق الآخرين ممن يتشابهون في اختراعاتهم مع اختراع مقدم الطلب.


وكما أنه لا يمكن لمالك عقار في حي الحمراء – مثلاً – في الرياض أن يطالب بعقار مشابه في حي الحمراء في جده أو بيروت، فإنه لا يمكن لمالك البراءة في المملكة أن يطالب بحماية براءة اختراعه في دول أخرى غير التي سجل فيها. ويلزم لذلك تقديم طلب براءة اختراع في كل دولة يرغب المستثمر حماية اختراعه فيها وإلا سقط حقه التسويقي في البراءة في الدول التي لم يطالب فيها بالحماية، وهنا لا يمكن لأي شخص أن يسجل طلب براءة اختراع مماثل في دولة أخرى ولكن يمكن لأي شخص أو أشخاص أن يسوق أو يسوقون المنتج دون حماية في سوق الدولة أو الدول التي لم يسجل الاختراع فيها دون أي حقوق لمالك البراءة الذي لم يسجل في هذه الدول، أي أن الحق الاحتكاري للاختراع في الأسواق يزول بعدم التسجيل ولكن ليس الحق في الفكرة.


نشر الاختراع قبل التسجيل

 

على خلاف الأبحاث العلمية التي يسارع الأكاديميون بنشرها، فإن نشر بيانات الاختراع  قبل تسجيل طلب البراءة – حتى وإن كان في دورية علمية أو جريدة أو مجلة – يحجب البراءة عن المتقدم بالطلب، وذلك لاشتراط الجدة في براءات الاختراع، وتفسر الجدة في أنظمة براءات الاختراع بأن لا يكون الاختراع قد سبق نشر أي بيانات عنه قبل تسجيل طلب البراءة بأي وسيلة من الوسائل.


المخترع ومالك البراءة أو مالك الاختراع

 

وعلى خلاف الأبحاث العلمية – أيضاً – فإن ترتيب ذكر أسماء المخترعين في طلب البراءة غير مهم إطلاقاً حيث يعتبر الجميع مخترعون دون تصنيف أو تدرج في الترتيب، وكذلك الحال في مالك البراءة، وهنا يجدر التنويه أن المخترع يجب أن يكون شخص طبيعي في حين أن مالك البراءة قد يكون شخص طبيعي أو اعتباري (شركة أو جامعة مثلاً). ويذكر كلاهما في طلب البراءة أو البراءة بمسمى "المخترعون" لمن قاموا بالاختراع، و "مقدم الطلب" بالنسبة لمن تعود الملكية القانونية له في الاختراع، وغالباً تكون الجهة أو الشخص الذي تكبد نفقات الاختراع. وتنص أنظمة معظم دول العالم على أن مالك البراءة هو رب العمل، وليس المخترع، إذا تم التوصل للاختراع بما وفره له رب العمل من إمكانيات وتجهيزات حتى وإن لم يكن هناك عقد ينص على ملكية اختراعات الموظف لرب العمل بين الموظف ورب العمل.


ويختلف النظام الأمريكي لبراءات الاختراع عن غيره من أنظمة العالم في هذه الجزئية وسبب الاختلاف مرجعه الدستور الأمريكي الذي أعطى الحق في ملكية الاختراع للمخترع وليس لأحد سواه، ولهذا نجد أن جهات العمل الأمريكية (بما في ذلك الجامعات مع طلابها) تصر على أن يوقع الموظف أو الطالب عند تعيينه على عقد ينص على تنازل المخترع عن ملكية الاختراعات التي يتوصل – لها ما دام موظفاً أو طالباً لدى هذه الجهة – لجهة عمله ويسمى رب العمل (مالك الطلب في هذه الحالة) "المتنازل له" assignee على خلاف معظم دول العالم حيث يسمى رب العمل (مالك الطلب) "مقدم الطلب" applicant، ولأنه لا يجوز انتقال الملكية بغير عوض فنجد أن عقود انتقال ملكية الاختراع الأمريكية تنص على انتقال ملكية الاختراع من المخترع للمالك مقابل دولار أمريكي واحد.


ولوجود حق ملكية الاختراع للمخترع في الدستور الأمريكي فإنه يلزم المتنازل له أن يقدم تنازل للمخترعين عن اختراعاتهم مع نموذج تقديم الطلب، ونجد أن دول العالم الثالث طبقت شرط وجود التنازل ضمن أوراق التقديم على طلب البراءة تقليداً للنظام الأمريكي دون اعتبار للاختلافات بين أنظمتها والنظام الأمريكي.


شراكة القطاع الخاص مع القطاع الأكاديمي

 

تنبع الحاجة للاختراع من احتياج السوق ومتطلباته، والأنجح دائماً في تسويق اختراعاتهم هم القطاع الصناعي أو التجاري (القطاع الخاص) ومرجع ذلك دراستهم للأسواق قبل التفكير في تطوير منتج أو اختراع وهذا خلاف الوضع في القطاع الأكاديمي الذي غالباً ما يسجل براءات اختراع ناتجة عن أبحاث الأكاديميين أو الطلاب، وقد يحتج البعض بخروج اختراعات قوية من جامعات غربية، وهذا صحيح لوجود شراكة غالباً بين القطاع الخاص والجامعات ممثلة بطلبهم من الجامعات – أو أساتذة متميزين في المجال الذي يرغبون تطوير منتجات محددة فيه – القيام بهذه الأبحاث أو الاختراعات بتمويل من الجهة الطالبة له، وفي هذه الحالة تكون ملكية الاختراع للجهة الممولة دون أن يغير ذلك من أسماء المخترعين له.


وفي واقعنا المحلي نجد عدم قيام صناعات بحثية للقطاع الخاص لعدم قدرته على تحمل نفقات البحث والتطوير بإنشاء منشآت وتجهيزها لهذا الهدف وتسليحها بعلماء وفنيين مختصين، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن غياب الوعي بوجود حماية لمخرجات البحث والتطوير عبر نظام براءات الاختراع وكيفية الاستفادة من هذا النظام تجارياً تؤدي للعزوف عن البحث والتطوير لدى القطاع الخاص، وبالتالي تظهر فرصة عظيمة لجامعاتنا في القيام بدور المراكز البحثية للقطاع الخاص sourcing out، ولاقتناص هذه الفرصة ينبغي التركيز على العلماء المتميزين – من منسوبي الجامعات – في مجالات محددة يرغبها القطاع الخاص وتسويقهم وتسويق خدمات الجامعات لتطوير منتجات متميزة للقطاع الخاص.


من شأن هذا التزاوج بين القطاع الخاص والجامعات أن يبقي الأساتذة المتميزين في الجامعات لإخراج المزيد من الطلبة المتميزين لإكمال المسيرة التي بدؤوها وتطوير الجامعات بأموال القطاع الخاص، وتطوير الاقتصاد الوطني بالخروج من كوننا دول مستهلكة للتقنية إلى دائرة الدول المنتجة لها أو المصدرة لها.

 



الكاتب:

محمد فخر الدين الهاجري