تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#ابتكار#

6636

تحسين التفكير في مواجهة الضغوط النفسية 1

تنتج الضغوط النفسية عن مواقف يدركها الإنسان باعتبارها تحمل تهديداً له أو لأشخاص يهمه أمرهم. وقد يكون هذا التهديد جسمياً أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو نفسياً. وقد يكون الموقف المهدد قائماً فعلياً في الواقع أو من المتوقع حدوثه. وقد يكون التهديد كثيراً أو قليلاً. وفي جميع الحالات، فإن تقييم شدة التهديد يعتمد على الفرد. فبعض الناس يدركون الحدث الصغير باعتباره يحمل تهديداً كبيراً. وبعض الناس يرون أن لديهم الكفايات و مصادر الدعم الكفيلة بمواجهة الموقف. ولذلك ، فإن شعورهم بالضغط الناتج عن التهديد يكون معتدلاً. وقد عبر المتنبي عن ذلك بقوله:

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم              وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها         

       وتصغر في عين العظيم العظائم

 

والاستشهاد بشعر المتنبي هنا هو لإبراز دور الإدراك لدى الفرد في تصغير موقف المشكلة أو تضخيمه و ليس لتقييم الأشخاص.


ويؤدي الموقف الضاغط إلى شعور بالتوتر والانزعاج ترافقه استجابات جسمية كالتعرق وزيادة نبضات القلب وتلاحق الأنفاس. واستجابات ترتبط بالتفكير مثل الانشغال بالتفكير السلبي وتوقع الأسوأ رغم ضعف احتمال حدوثه على نحو يؤدي إلى تشويش في العمليات المعرفية كتذكر المعلومات والاستدلال وحل المشكلات واتخاذ القرارات. ويؤدي كل ذلك إلى خفض إمكانات الفرد على استخدام موارده الذاتية والخارجية ، وبالتالي خفض قدرته على مواجهة الموقف الضاغط و خفض كفاءة التفكير لديه.


ومن الأمثلة على ذلك ما يحدث لبعض الطلبة في مواقف الاختبارات. حيث يؤدي قلق الامتحان الناتج عن إدراك الاختبار باعتباره موقفاً ضاغطاً تصعب مواجهته إلى تشتت الانتباه أثناء الدراسة وإلى نسيان المعلومات وإلى صعوبة في الوصول إلى الاستدلال وحل المشكلة.


ويعتبر أسلوب (التحصين ضد الضغوطات) من الأساليب الفعاّلة من أجل خفض التوتر، ومن اجل تحسين قدرة الفرد على التفكير في مواجهة الضغوط.


وقد استعملت تدريبات التحصين ضد الضغط في معالجة مشكلات القلق والغضب والألم، كما استخدمت كإستراتيجية وقائية. ويستهدف هذا الأسلوب تزويد الأفراد بالمهارات التكيفية اللازمة لتطوير كفاءتهم في التعامل مع الضغوطات عن طريق خفض الانفعالات المؤدية إلى تشويش التفكير. ويتم ذلك من خلال تقديم المعلومات والتدريب على المهارات والتطبيق في الواقع. ويرمي إلى التخلص من التحدث إلى الذات بطريقة انهزامية وسلبية واستبداله بالتحدث الذاتي الايجابي مع التعود على الاسترخاء في المواقف الضاغطة .


لقد استخدم التحصين ضد الضغط في معالجة قلق الامتحان وقلق التحدث والمخاوف الاجتماعية وضعف تأكيد الذات وحالات الهلع واضطرابات القلق العام وفي ضبط الألم والتحكم بالغضب، كما استخدم في التعامل مع المشكلات الجسمية ذات المنشأ النفسي والإعداد للعمليات الجراحية أو عمليات الأسنان. واستخدم في مساعدة الأشخاص الذين يشكون من حالات الصداع المزمن وأزمات التنفس و ارتفاع ضغط الدم، وفي زيادة القدرة على تحمل الألم الفسيولوجي وفي مساعدة الأحداث المنحرفين على ضبط الغضب. كما استخدم مع الأشخاص من نمط الشخصية أ (Type A) الذين يعانون  من القلق بسبب حرصهم على الانجاز السريع لمهمات متعددة في آن واحد. كما استخدم التدريب على مهارات الحديث التكيفي مع الذات في تنمية التفكير الإبداعي .


في الجزء الثاني من هذا المقال، والذي سينشر الأسبوع القادم، سنتعرف سوياً على كيفية التدريب لمواجهة الضغوطات.


في الجزء الأول من هذا المقال تعرفنا سوياً على أثر الضغط النفسي السلبي على التفكير وعلى الحالة الجسدية، وكيف أن أسلوب (التحصين ضد الضغوطات) يعتبر من الأساليب الفعاّلة من أجل خفض التوتر، ومن أجل تحسين قدرة الفرد على التفكير في مواجهة الضغوط.


هناك خطوات من الممكن التدرب عليها لمواجهة الضغوط وهي كما يلي:

 

1.   فهم طبيعة استجابة الضغط النفسي باعتبارها تتضمن عنصرين أحدهما جسمي فسيولوجي والآخر معرفي يرتبط بالتفكير.

والعنصر الفسيولوجي يتضمن الإحساس بأن الجسم مشدود ومتوتر والوجه ساخن والتنفس متسارع ودقات القلب متزايدة. أما العنصر المعرفي فيتضمن مجموعة من الأفكار والعبارات الذاتية التي يقولها الفرد لنفسه، مثل: هذه المشكلة أكبر من أن أحتملها، سوف أفشل في مواجهة الموقف، لا فائدة من المحاولة.

 

 

2.   ملاحظة أن التعامل مع الموقف الضاغط يتم في أربع مراحل، هي:

أ.    الاستعداد للموقف قبل حدوثه.

ب.   التعامل مع الموقف عندما يحدث.

ج.  التعامل مع اللحظات الحرجة التي تمثل ذروة الموقف.

د.   التفكير في الموقف بعد انتهائه.


ففي حالة القلق المرتبط بالامتحان أو بإجراء مقابلة، يمكن للشخص أن يفكر في مرحلة الاستعداد للموقف بعبارات مثل: ما الذي يجب أن اعمله للإعداد للموقف، لا أريد أفكاراً سلبية بل أفكارا عملية .


و في التعامل مع الموقف عند حدوثه يمكن استخدام عبارات مثل: إهدأ و لا تدع القلق يسيطر عليك، تابع العمل خطوة فخطوة.


وفي التعامل مع اللحظات الحرجة في الموقف يمكن أن تستخدم عبارات ذاتية مثل : استرخ، خذ نفساً عميقاً، وركز تفكيرك على العمل، افعل شيئاً يصرف تفكيرك عن موضوع القلق.


وبعد انتهاء الموقف يمكن أن تفكر لقد تصرفت على نحو أفضل وهذا جيد، لقد تغلبت على مشاعر القلق بشكل رائع، أنني راض عن نفسي.

 

 

3.   التدرب على استخدام مهارات التكيف المباشرة: ومن الأمثلة على هذه المهارات:

(أ)  جمع معلومات عن الموقف الضاغط تساعد في تقييم الموقف بشكل موضوعي

(ب) تحديد بعض الأساليب لتجنب انفجار الموقف مثل العد إلى العشرة قبل ظهور سورة الغضب

(ج) استخدام أساليب مسكنة مثل التركيز على الجانب الايجابي من المشكلة أو التفكير بالحصول على دعم اجتماعي

(د) الاسترخاء العقلي  كصرف الانتباه عن المشكلة من خلال الانتباه لشيء آخر أو استخدام أحلام اليقظة و التخيلات الممتعة

(هـ) الاسترخاء الجسمي كالاسترخاء العضلي العميق و تدريبات التنفس و ذلك عن طريق شهيق عميق من الأنف بحيث تشعر  بالهواء في المعدة ثم إطلاقه بشكل كامل و معاودة ذلك حتى تشعر بالاسترخاء.

 

 

4.    التدرب على استخدام مهارات التكيف المعرفية: حيث يتم تحديد العبارات الذاتية المناسبة التي يمكن أن يستخدمها الفرد قبل الموقف و أثناء الموقف و في ذروة الموقف و بعد الانتهاء  من الموقف. حيث يقوم الشخص باختيار العبارات المناسبة له و التدرب على استخدامها.


5.   تطبيق المهارات التكيفية المختلفة على مشكلات محددة حيث يختار الشخص بعض المواقف المفترضة و يتم تطبيق مهارات التكيف المباشرة و المعرفية عليها من خلال التمثيل و لعب الدور بالاستعانة بالمرشد أو الأصدقاء.


6.    تطبيق المهارات التكيفية على مشكلات يتوقع الشخص أن يواجهها في المستقبل و ذلك بأن يحدد مشكلات معينة متوقعة و يتم التدرب على استخدام المهارات التكيفية في مواجهتها من خلال التمثيل و لعب الدور.


إن التحصين ضد الضغط هو أسلوب شمولي يتألف من طائفة واسعة من المهارات التكيفية التي يمكن أن يستخدمها الشخص في التعامل مع مشكلات الحياة اليومية. ويمكن للمرشدين في المدارس أن يستخدموا هذا الأسلوب في معالجة طائفة واسعة من المشكلات التي يواجهها الطلبة في المدارس من خلال الإرشاد الفردي أو الإرشاد الجمعي. كما يمكن أن يستخدم هذا الأسلوب على نحو بنائي وقائي من خلال حصص التوجيه الجمعي في الصفوف لتدريب الطلبة بشكل عام على استخدام المهارات التكيفية المناسبة في التعامل مع المشكلات، الأمر الذي ينعكس ايجابيا على تحصيل الطلبة و مفهوم الذات لديهم و مجمل صحتهم النفسية ونوعية الحياة كما يدركونها.

 



الكاتب:

أ.د.محمد نزيه حمدي