تسجيل الدخول
التصنيف :

#إبداع#

2947

الطاقة البيولوجية العاصفة ما زالت في الفنجان (1)

 

هل الطاقة البيولوجية هي الحل؟

هل الطاقة البيولوجية هي الحل الذي يشبه البيوت الزجاجية في مجال الزراعة لجميع هموم الطاقة؟ إن الأمر ليس بتلك السهولة كما يقول فريد بيرس في دراسة له نشرتها مجلة New Scientist البريطانية مؤخراً. إذ يقول: لقد بدأ التدافع نحو الذهب! نقِّبوا عن البترول واشتروا الذرة بقدر ما استطعتم، إنهما الاستثماران اللذان يضمنان الربح الأكيد .


وهذه هي، على الأقل، الرسالة التي يمكن أن نكون قد التقطناها من قراءة عناوين الصحف في الأشهر الماضية. قد قيل لنا: قريباً سوف يصبح توافر محصول الذرة مثل توافر الذهب الأسود. ولا يعود السبب بذلك إلى أن رقائق التورتيلا المكسيكي قد أصبحت الغذاء الأكثر رواجاً. ولكن السبب الحقيقي هو أن الذرة ومجموعة أخرى من المحاصيل قد تم الترويج لها على أنها مصادر الطاقة للمستقبل.


هناك أسباب عديدة لهذا الحماس المفاجئ لـ الطاقة البيولوجية ، إلا أن التأثير الإيجابي الحقيقي المفترض للطاقة البيولوجية هو في صورتها التي تحافظ على البيئة.


إن المؤيدين للطاقة البيولوجية يقولون إنها تخفض بشكل كبير الغازات المنبعثة من البيوت الزجاجية لأن المحاصيل تمتص، وهي تنمو، ثاني أكسيد الكربون من الجو. لهذا، فإنه من غير المفاجئ أن يدعم السياسيون والمدافعون عن البيئة في جميع أنحاء العالم هذه الفكرة، على أمل استخدام هذا الخيار العشبي البديل للطاقة لتزويد السيارات والقطارات والحافلات. حتى أن رجل النفط الأسبق، الرئيس الأمريكي جورج بوش، أصبح من الداعمين لهذا النوع من الطاقة. ففي خطابه السنوي عن حال الأمة الموجه في مطلع السنة الماضية نادى بالقيام بحملة قومية لتسيير السيارات على الطاقة البيولوجية.


ولكن، قبل أن تأخذنا الحماسة، ليس كل شيء هو فعلاً كما يبدو على السطح. فقد بدأ العلماء بالتشكيك في التأثيرات الاجتماعية والبيئية للبيوثينول (Bioethanol) والبيوديزل (Biodiesel)، مقدِّمين أسباباً تشكيكية حقيقية عما إذا كان بإمكان تلك المادتين تحقيق هذه الأهداف الكبيرة. ويجد المدافعون عن البيئة أنفسهم في مأزق شديد مع وجود نصف المجتمع الأخضر يحتضن الطاقة البيولوجية حتى آخر حبة ذرة، والنصف الآخر مستعد للتمهل ودراسة الموضوع بصورة أدق.


ويقول المعارضون لفكرة الطاقة البيولوجية: إنها لن تقتصر فقط على توافر مصدر للطاقة، إذ إنها سوف تلوِّث الغابات الاستوائية وتمتص مخزون المياه الجوفية وتدفع بعض السلالات الحيوانية إلى الانقراض وترفع الأسعار. كما أنها ستسرِّع امتلاك الشركات لقطاع الزراعة، وتخلق المجاعات وتجعل مستوردي الطاقة أكثر اعتماداً على الدول الأخرى. والأسوأ من ذلك، فإن اعتماد الطاقة البيولوجية لا يبطىء الارتفاع الحراري العالمي على الإطلاق، إذا لم تتحسَّن سبل التكنولوجيا المتبعة في تصنيعها. وفي المقابل، يقول مناصرو الطاقة العضوية: إنها ما زالت في مراحلها الأولى ويجب إعطاء التكنولوجيا المتبعة فيها الوقت والاستثمار الكافيين لتحقيق ما وعدت به. إذاً من الطرف المحق؟


سجال جديد لطاقة قديمة


يمكن أن يكون السجال جديداً، إلا أن الطاقة البيولوجية نفسها ليست شيئاً جديداً. فقد تم تصنيع طراز T لسيارة فورد الأولى عام 1908م ليعمل على مادة الأثينول، كما أن رودولف ديزل الذي اخترع محرك الديزل عام 1892م أجرى تجربته الأولى على زيت الفول السوداني.


لقد تم الابتعاد عن الطاقة البيولوجية عند ظهور الطاقة المستخرجة من النفط والتي كانت أقل كلفة، ولكن مع أزمة النفط التي ظهرت سنة 1970م عادت بعض الدول إلى استخدام الطاقة البيولوجية. فالبرازيل مثلاً تستخرج الأثينول بكميات كبيرة من قصب السكر منذ 30 عاماً. وفي العام الفائت أصبحت تستخرج وحدها حوالي نصف الأثينول البيولوجي المستخرج في العالم. وينص القانون البرازيلي على أن يكون %20 من البنزين الذي يُباع في المحطات ممزوجاً مع الأثينول البيولوجي الذي يمكن أن تتحمله معظم السيارات العادية. كما أن %15 من السيارات في البرازيل يمكنها أن تعمل على الأثينول البيولوجي الصافي. ووفقاً لدراسة صدرت في يونيو عن مؤسسة World Watch ، فإن البرازيل إن شاءت أن تصنِّع %10 من مجموع استهلاكها النفطي، فعليها أن تستخدم %30 من أراضيها الزراعية. لذلك فإنه ليس من المستغرب أن تقوم أماكن أخرى في العالم بتعظيم الطريقة البرازيلية. ولكن المشكلة أنه لا يمكن في معظم الدول الأخرى التوصل إلى النسب والأرقام نفسها.


إن الدراسة نفسها الصادرة عن المؤسسة قدَّرت بأنه من أجل التوصل إلى هدف الـ %10 هذا، فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى %30 من أراضيها الزراعية كما تحتاج أوروبا إلى حوالي %72، والسبب ليس أن البرازيليين يستخدمون السيارات أقل من الأمريكيين أو الأوروبيين فقط، بل إن أرضهم الخصبة ومناخهم المواتي يساعدان على استخراج محصول أكبر، كما أن الكثافة السكانية لديهم أقل.


وهنالك دول أخرى غير الولايات المتحدة وأوروبا تأمل في أن تكون التجربة البرازيلية نموذجاً لحل سريع للمشكلات البيئية وهموم الطاقة-الأمن التي تشكو منها، فالصين مثلاً تخطط لخفض استيراد النفط وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بتسيير السيارات فيها على مادة الأثينول المصنوعة من نبات الـ Cassava أو المنيهوت، بينما تأمل كوبا بإعادة إحياء صناعة السكر الميتة لديها بتصنيع المحصول لاستخراج الأثينول، وتأمل هنغاريا أن تستبدل وارداتها من الطاقة الروسية بالأثينول المستخرج من الذرة.


إن زراعة الذرة ومن ثم تحويلها إلى أثينول تتطلب كمية كبيرة من الطاقة، كما أن زراعة محصول كبير تستهلك كمية كبيرة من الأسمنت والمبيدات التي لها تكلفة بيئية وأثمان متعلقة بالطاقة. والسؤال: هل الأمر يستحق ذلك؟ .


ليست أنظف من النفط


حاولت بعض مجموعات الأبحاث أخذ كل هذه الأمور في الحسبان وحاولت مقارنة الانبعاثات النفطية مع تلك التي تنبعث من الأثينول البيولوجي المستخرج من الذرة في كل مراحل الإنتاج من الحبة إلى المحرِّك. وواجهت تلك الدراسات بعض القضايا العلمية غير المؤكدة مثل السؤال عن كمية غاز النيتروس أكسيد المنبعث من البيوت الزجاجية، الناجم عن سماد النيتروجين الذي يُستخدم في زراعة الذرة. هنالك انقسام في الرأي حول ما يجب وما لا يجب أن تتضمنه تلك الحسابات. الأمر الذي يعني أن النتائج تختلف بشكل كبير. ولكن هناك دراسة قام بها دافيد بيمنتل في جامعة كورنيل الأمريكية في نيويورك خلصت إلى القول إن أثينول الذرة يؤدي إلى انبعاثات غازية من البيوت الزجاجية أكثر من حرق المواد النفطية.


هناك آخرون ليسوا بهذا القدر من التشاؤم. ففي مراجعة لدراسات عديدة نُشرت في مجلة Science في يناير الماضي، قدَّر ألكسندر فريل من جامعة كاليفورنيا في بركلي أن الأثينول البيولوجي يؤدي إلى %13 أقل من الانبعاثات الغازية من البيوت الزجاجية مقارنة مع كمية معادلة من البنزين. إلا أن الباحث توصل إلى هذا الرقم الإيجابي بعد أن افترض أن الفضلات البيولوجية التي تنتج بعد استخراج الأثينول البيولوجي، تستخدم كطاقة جافة في الأفران أو أنها تُطعم للحيوانات. ولكن معامل تكرير الأثينول البيولوجي لا تقوم كلها بمثل هذا العمل.



الكاتب:

محمود زيَّان