تسجيل الدخول
التصنيف :

#إبداع#

2002

الطاقة البيولوجية العاصفة ما زالت في الفنجان (3)



فيما يشبه العودة إلى الصفر..


البحث عن مصادر أخرى


إن التكنولوجيا المتبعة في إنتاج الطاقة البيولوجية لا تزال في مراحل مبكرة ويفكر العلماء الذين يعملون في هذا المجال في أشياء كثيرة أخرى. إنهم يفكرون في طرق لإنتاج الطاقة البيولوجية من محاصيل غير غذائية ومن الفضلات البيولوجية. وهكذا يوفرون محاصيل الذرة وغيرها من المحاصيل الزراعية من أجل الغذاء. إنهم يفكرون بطرق للقيام بذلك مع المحافظة على النظام البيئي الطبيعي. وهم يعتقدون أنهم مع الوقت سيتمكنون من تحقيق ذلك.


لقد بدأ الباحثون الآن يكتشفون طرقاً ذكية لاستخراج الأثينول البيولوجي من دون استخدام المحاصيل الزراعية، وذلك بالتركيز أكثر على تحويل المواد العضوية الغنية بخلايا السلولوز (Cellulose) إلى الأثينول. فخلايا السلولوز هي المادة الأساسية في جميع النباتات الخضراء. تتكون جزيئياتها من سلاسل طويلة من السكر قاسية بما فيه الكفاية لتكوين جدران النباتات. وإذا ما استطعنا تفكيك تلك الجزيئيات لاستخراج السكر الذي تحتويه يمكننا تخميره للحصول على الأثينول.


إن تطوير طريقة فعَّالة لتحويل خلايا السلولوز إلى الأثينول قد يفتح الباب أمام الكثير من المواد غير الغذائية مثل السويتشغراس (Switch grass) وهو عشب بري ينمو في الولايات الشرقية وفي وسط غربي أمريكا، والقش وفضلات المحاصيل مثل القضبان ورقائق الخشب. ويقول المتحمسون لهذه الفكرة إن مصادر خلايا السلولوز تلك قد تنتج ضعف كمية الأثينول التي يمكن استخراجها من هكتار واحد من الذرة، وقد يتم ذلك في أراضٍ تعتبر حالياً غير صالحة اقتصادياً وليس لها أية أهمية بيئية.


ويظن البعض أن الفضلات المنزلية مثل الورق والكتب وبقايا الطعام قد يمكن استعمالها كمصادر لإنتاج الأثينول.


وتقدر خريطة الطريق التي وضعتها وزارة الطاقة الأمريكية في يونيو الماضي حول تحويل خلايا السلولوز إلى الأثينول، أن الولايات المتحدة يمكنها أن تُنتج ثلث حاجتها من الطاقة باتباع هذه الطريقة في العام 2030م. وتقدم توصية باستخدام محاصيل معدلة وراثياً مثل السويتشغراس من أجل صناعة أصناف قاسية مضادة للحشرات. وهذا يعني أنها ستكون بحاجة إلى القليل من الصيانة، تقل معها بشكل كبير كميات الطاقة والمواد الكيميائية المستخدمة فيها إذا ما قارناها بالمواد المستخدمة حالياً.


ولكن، حتى الوقت الحاضر ما زالت معظم الشركات مترددة بشأن الاستثمار في الأبحاث التي تتطلبها معالجة تلك المشكلات. لذلك أنشأت وزارة الطاقة مركزين جديدين للأبحاث التي ستضخ فيها 250 مليون دولار في السنوات القادمة، بهدف تطوير مواد الطـاقة البيولوجية المستقبليـــة. ويقــــول أوربــــــاش إن هذا المشروع يحمل كثيراً من المخاطر بالنسبة إلى القطاع الخاص ولذلك تقوم الحكومة به .


ولكن هناك شركة كندية واحدة بدأت تعمل على ذلك. فقد قامت شركة آيوغن (Iogen) في أوتاوا ببناء منشآت قيادية تستخرج منها الأثينول من خلايا السلولوز بكميات صغيرة وذلك خلال السنتين الماضيتين. وهي تستخدم نوعاً من الفطر الإستوائي المعدل وراثياً من أجل استخراج أنزيمات تفكك خلايا السلولوز والتي يمكنها من أن تهضم جميع أنواع المواد البيولوجية.


ومؤخراً جذبت هذه الشركة استثماراً بقيمة 30 مليون دولار من شركة غولدمن ساكس كما أنها أعلنت في يناير الماضي أنها ستدرس إمكانية بناء مصنع مكتمل في ألمانيا بالشراكة مع شركة شل و فولكسفاغن . وبانتظار معرفة صوابية تقديرات هذه الشركة، وحتى ولو صحَّت أكثر توقعاتها تفاؤلاً، فإن سنوات طويلة لا تزال أمام الطاقة البيولوجية لتصبح بديلاً -وجزئياً فقط- عن النفط.


أساسيات الطاقة البيولوجية


مصطلح الطاقة البيولوجية هو بمثابة المظلة التي تحتضن كل الصفات التي يمكن أن نصف بها الطاقة المأخوذة من المواد العضوية. وأهم مصدرين للطاقة العضوية هما البيوأثينول Bioethanol الذي هو بديل للبنزين، والبيوديزل الذي يدل اسمه على نفسه.


يمكن استخراج البيوأثينول بتصنيع المحاصيل النشوية أو المحاصيل المشبعة بالسكر مثل قصب السكر أو القمح أو الذرة. ففي حال المحصول النشوي يمكن تحويل النشاء إلى سكر بواسطة الأنزيمات. إذ يتم تخمير السكر باستخدام الخميرة من أجل استخراج الأثينول الذي يتم تقطيره فيما بعد. ومن ثم يمكن مزج الأثينول الصافي الذي يستخرج مع البترول وذلك بنسب مختلفة. ويمكن لمعظم السيارات حرق طاقة البترول الممزوجة مع البيوأثينول حتى نسبة %10 من دون إدخال أي تعديلات على المحرك، وهنالك سيارات جديدة يمكنها أن تحرق البيوأثينول الصافي.


ويشمل البيوديزل الطاقة المستخرجة من تصنيع مجموعة من الزيوت النباتية بما فيها زيت الصويا وزيت الكانولا وزيت النخيل وأيضاً الدهون الحيوانية. ويتم تصنيع الزيوت بطريقة تسمى عملية التحويل . حيث يتم مزج الزيت مع الأثينول ومادة مُحفِّزة أو مسرِّعة عادةً ما تكون الصوديوم هايدروكسايد من أجل تفكيكه. ومن ثم إعادة تصنيعه بشكل ملح عضوي. ويمكن استخدام البيوديزل أو الديزل البيولوجي مكان الديزل من دون أي تعديلات على المحرك. ومع أن هذه الزيوت يمكن مزجها مع الديزل العادي من دون أي تصنيع ويمكن حرقها في محرك الديزل، لكنها غير مستحبة من مصنعي السيارات، كما أنه لا يمكن أن يطلق على هذا المزيج تسمية البيوديزل أو الديزل البيولوجي .


حركة الديزل البيولوجي الارتجاعية


في وقت ما من صيف 2002م بدأت الشرطة في بلدة ولش الإنجليزية تشتم رائحة حيلة ما من أجل تفادي دفع الضرائب. إذ أخذ الناس في جنوب مقاطعة ويلز قبل بضعة أشهر يشترون كميات كبيرة مثيرة للشك من الزيت النباتي المستخدم للطبخ. ولكن بدلاً من أخذه إلى منازلهم من أجل استخدامه في الطهي بدأوا يفرغونه في سياراتهم وشاحناتهم التي تسير على الديزل.


سارت السيارات بشكل جيد على الزيت النباتي والاعتقاد بأنه مصفَّى وأنه مزوَّد بالقليل من الميثانول (Methanol) الذي يساعد على فعاليته في ساعات الصباح الباردة. أصبح الزيت النباتي بالمقارنة مع أسعار النفط المرتفعة بشكل جنوني، أرخص بكثير مما في محطات الوقود. ولكن هذا البديل لم يكن قانونياً لأن السائقين لم يدفعوا عليه ضريبة النفط. ولهذا أسست الشرطة، وبسرعة، مجموعة القلي وكانت مهمتها تنشُّق السيارات التي تسير على الزيت النباتي (الزيت النباتي ينتج رائحة مميزة).


ومع ذلك أدرك رجال الأعمال أهمية ما يقوم به هؤلاء الأشخاص بطريقة غير شرعية، وأخذوا يبنون المنشآت الشرعية لتحويل الزيت النباتي والدهون الحيوانية إلى ديزل بيولوجي. والديزل البيولوجي ليس فقط أرخص من الديزل النفطي، ولكنه، أيضاً، غير ضار للبيئة.


ويمكن استخدام أصناف كثيرة من الزيت النباتي مثل زيت الصويا وزيت دوَّار الشمس وزيت الكانولا وزيت النخيل. وجميع هذه الزيوت تصدر كميات من الانبعاثات الغازية مشابهة لتلك التي تنبعث من الأثينول المستخرج من قصب السكر وأقل بكثير من تلك المنبعثة من الأثينول المصنوع من الذرة. ويقدِّر أحد الخبراء الجامعيين أن الديزل البيولوجي يخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحوالي %41 أي أكثر بثلاثة أضعاف من الانخفاض الذي يقدمه الأثينول المصنوع من الذرة. علاوة على ذلك، فإن الكثير من المحاصيل التي يمكن استخراج الزيت النباتي منها يمكن زراعتها من دون استخدام مواد أساسية متعلقة بالري وبالكيميائيات الزراعية.


وتعتبر ألمانيا حالياً من أكبر المصنِّعين للديزل البيولوجي. لقد أنتجت، في العام 2005م، أكثر من بقية بلدان العالم مجتمعة. لكن هناك مشكلات تترافق مع الظهور المفاجئ للديزل البيولوجي كبديل للديزل العادي. فمثلاً، دوَّار الشمس والكانولا اللذان يعتبران المصدرين الأساسين للديزل البيولوجي في الوقت الحاضر، يُنتجان كميات أقل من الليترات بالنسبة للهكتار الواحد من المحصول إذا ما قارناه بالذرة وإنتاجه للأثينول البيولوجي.


ويقضي قانون الاتحاد الأوروبي، حالياً، بأن جميع مصادر الطاقة يجب أن تُمزج بـ %75.5 من الطاقة البيولوجية بعد عام 2010م، ولكن، لا تملك كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المساحات الكافية من الأراضي للحصول على المحاصيل اللازمة. لذلك فهي بحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من الزيوت النباتية للوصول إلى هذا الهدف.


أما ماليزيا وإندونيسيا فتسيطران معاً على السوق العالمي لزيت النخيل. فالنخيل يُنتج كميات أكبر بكثير من الطاقة بالهكتار الواحد من المحاصيل الأخرى. ويسعى البَلَدان حالياً لزيادة إنتاجهما، وقد أعلنا في يوليو الماضي خطة مشتركة من أجل توفير %40 من منتوجهما من زيت النخيل لاستخراج الديزل البيولوجي. كما أعلنت إندونيسيا التي تمتلك 6 ملايين هكتار من النخيل لإنتاج الزيت، خططاً لتوسيع ذلك بما يعادل 3 ملايين هكتار، وذلك ممكن، جزئياً، بتحويل 1.8 مليون هكتاراً من الغابات في بورنيو وهي غابات تبلغ مساحتها مساحة ولاية ماساتشوساتس الأمريكية.


أُدينت خطط التوسيع تلك من قبل أصدقاء الأرض . ويقول إد ماثيو، وهو من الناشطين في حملات أصدقاء الأرض ضد إنتاج زيت النخيل، إن ازدهار صناعة زيت النخيل يدق ناقوس الخطر بالنسبة للحيوانات البرية، ويعرقل الحرب التي تقف بوجه تغيير المناخ العالمي. وهي المشكلة التي من المفترض أن تُسهم الطاقة البيولوجية في حلها . وتقول جمعية أصدقاء الأرض إن مزارع زيت النخيل هي السبب الأهم في تراجع الغابات الاستوائية في ماليزيا وإندونيسيا.




الكاتب:

محمود زيَّان