تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#ابتكار#

5651

ابتكارات من رحم الفقر ``الهند نموذجا``

shutterstock_61537336.jpg


لكي يشتري أحدنا جهازاً لوحياً ينقله بسهولةٍ ويسر من غرفته إلى غرفة الجلوس ومن بيته إلى عمله ومن مدينته إلى مدينة أخرى يسافر إليها فعليه -في أرخص الأحوال- أن يدفع ما يزيد على الألف ريال.

هل فكرنا في الملايين الذين يعملون ولديهم مستندات عمل وصور عائلية وأكوام هائلة من الورق التي يخشون عليها من الضياع، ولا يملكون حتى مئة ريال فكيف بهم يدفعون ألفاً وأكثر ليشتروا جهازاً! 

بالطبع لم نفكر في ذلك مسبقاً لأننا لا نعيش تلك المشكلة، فالمنزل الواحد من منازلنا قد يوجد به خمسة حواسيبَ محمولة  وسبعة أجهزة لوحية و10 هواتف ذكية! فكل ابنٍ وابنة لديه واحداً خاصاً به على الأقل! إنّ هذا ببساطة هو السبب الذي جعل الهند -الدولة التي تفوقنا كثافةً سكانية وتفوقنا في معدلات التخلف والفقر والجوع والحرمان- أن تقدم شيئاً للبشرية، وأن تخترع حاسوباً قيمته عشرَ دولاراتٍ فقط!

"أن تكون الهند أكبر نقطة تجمٌّع للفقراء في العالم، ورمزاً للتخلف والتكدس السكاني بعيداً عن التقنية والتطور" ليست هي النظرة التي كنا نراها بها وحدنا، بل الهنود أنفسهم لطالما وبًّخوا أنفسهم بأنهم لم يفلحوا سوى باختراع الصفر،  بينما الآخرون من حولهم يخترعون ويبتكرون ويقدمون شيئاً لأنفسهم أولاً وللعالم من حولهم ثانياً.


هكذا كانت النظرة إلى الهند مجرد معهد تخريج وتصدير لمختلف الحرفيين الذين يصلحون أنابيب الماء ويقومون بتوصيل الطلبات، أما الآن فلازالت الهند تخرج نفس أولئك الحرفين ولكنها أيضاً أصبحت تخترع حاسوباً بعشرِ دولارات، وسيارة بـ 2500 دولار، بل إنها دخلت مجال صناعة المفاعلات وأصبحت  تصمم مفاعلا نوويا جديداً باستهلاك منخفض لليورانيوم.


"التنمية حرية"
 لقد آمنت الهند بأن "التنمية حرية"- كما قال "أمارتيا صن" العالم الاقتصادي الهندي الحائز على جائزة نوبل- وذلك بعد أن عانت –أي الهند- سنوات من الأزمة الاقتصادية في ظل تزمت حكومي متشدد ومحتكر لكل الموارد المتاحة ومنغلق عن الأسواق الخارجية،  حيث انتهجت منهجاً جديداً هدفه التنمية وفلسفته الحرية لأجل مناخٍ إبداعيٍ أفضل، أما عماده فهو التعاون بين مؤسسات العمل الأهلي مع المؤسسات الوطنية سعياً نحو فتح الأبواب لتطوير واستثمار الإبداع والابتكار على مستوى شعوب -معظمهم مزارعين وحرفيين-، الأمر الذي جعل الهند تخطو خطوات سريعة في عالم البحث والتطوير في السنوات القليلة الفائتة، وبالتالي تسجل رقماً مهماً في مؤشر الابتكار العالمي.


لقد خصصت الهند لسوق البحث والتطوير في مجال تقنية المعلومات ما يقدر بـ 9.1 بليون بحلول عام 2010م، بينما لم يتجاوز 1.3 بليون دولار في عام 2003م -حسب إحصائيات وكالة فروست وسوليفان للبحث- أي بمعدل نمو يساوي 32.05%. ويتوقع أن ينمو البحث والتطوير في قطاع الاتصالات بالهند من 0.7 بليون دولار في عام 2003م إلى 4.1 بليون دولار في عام 2010م أي بنسبة 28.73%.


ابتكارات هندية كسرت حاجز المادة، وأخرى كسرت حاجز اللغة!
رغم التطورات الحديثة والنهضة المشاهدة في النظام الهندي فلازالت الهند تعاني فقراً وقلةً في المادة، ولكن هذا الفقر لم يشكل ضعفاً في جميع أحواله بل كانت له صوراً شتى مشرقة رسمها أولئك الهنود الذين لم يرضوا بالوضع ولم يكتفوا بالتذمر!


1- كي – يان (مركز الوسائل المدمجة)
أحد الأمثلة على هؤلاء المبتكرين هو البروفيسور كيرتي تريفيدي من المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي، الذي تمكن في الآونة الأخيرة من بناء ما أسماه "مركز الوسائل المدمجة" "كي – يان" بتكلفة تقدر بـ 3200 دولار  فقط، وهو جهاز يجمع بين أنظمة المتعة المنزلية والكمبيوتر في صندوق أسود واحد بحجم قدم مكعب ولكن بدون شاشة، التي يستخدم بدلا عنها جهاز بروجيتكور قادر على إسقاط صور بعلو 300 بوصة على الحائط، الأمر الذي يتيح إمكانية تدريس أكثر من مائة طالب داخل فصل لا تتوفر فيه أجهزة حاسب للطلاب. كما أنه يتيح الفرصة للتفاعل المثمر، فعلى الرغم من أن عدة طلاب يتشاركون في شاشة واحدة، إلا أنهم يستطيعون جميعاً التحكم في الصور المعروضة عن طريق لوحات المفاتيح والفارات اللاسلكية.

2- نظام سكريبت ميل
مثال آخر على هذه الابتكارات هو ما ابتكره فريق العمل بقيادة شيكار بورجانوكار في مركز أبحاث إتش بي بمدينة بانجلور، حيث قاموا بابتكار  ما أسموه "سكريبت ميل" وهو جهاز يساعد على الاتصال الإلكتروني بين من يتحدثون لغات لا يمكن طباعتها على لوحة المفاتيح العادية.


يكتب على هذا الجهاز بأي لغة عن طريق قلم إلكتروني، فيتعرف ميل سكريبت على اللغة وتظهر بالتالي الكتابة على الشاشة للتصحيح والحفظ. وباستخدام مودم خارجي يتم إرسال تلك الرسالة على البريد الإلكتروني. وسيكون مثل هذا الجهاز مفيداً جداً لسكان المناطق البعيدة والمتخلفة التي لا يتوفر بها الاتصال الهاتفي حيث ألغى هذا الجهاز الحاجة إلى لوحة المفاتيح، وأتاح فرصة التواصل بين أفراد مجتمع يتحدث أكثر من ثمانية عشر لغة رسمية ومئات اللغات واللهجات المحلية الأخرى، كما أنه يتيح إمكانية الإسهاب الكتابي خلافاً للتلغراف أو البرقيات، وهذا ما جعل العلماء يظنون بأنه سوف يزيد من سرعة التواصل بين سكان المناطق الفقيرة بشكل دراماتيكي.


الهند واختراع قد يقلب الموازين!
ويكفي الهند أنها حين عجز العالم الغربي عن اكتشاف مصل مضاد للإيدز، استطاع فريق بحث هندي بمركز الإيدز التابع لمعهد العلوم الطبية أن يتوصل إلى تطوير مصل مضاد للإيدز أطلق عليه اسم HIV-1 DNA، وتمت تجربته على الفئران والقرود.


الهند قبلةً للبحث و الباحثين
 لا ينكر متابع توجه الشركات الأجنبية نحو  الهند محاولة منها في الاستفادة من النسبة الكبيرة من القوة الشبابية الهندية العاملة والموهوبة، وهذا هو ما أكده الدكتور ماشيلكار المدير العام لمجلس البحوث العلمية والصناعية حيث قال: "لقد أضحت الهند محورا للبحث والتطوير خاصة بالنسبة للشركات الغربية، حيث قامت أكثر من 100 شركة من مختلف المناطق بإنشاء مراكز بحث وتطوير لها بالهند خلال الخمس سنوات الماضية". إضافةً إلى ما سبق، فنحن لا نستطيع أن ننكر أيضاً أن الهند أصبحت  قبلة للبحوث التكنولوجية التي تغذي العالم الثالث، حيث انتشرت بها مختبرات البحث من كل نوع وبدأ الهنود يبتكرون تقنيات تلاءم إمكانيات الشعوب الفقيرة.


وأخيراً
لم يتبق سوى أن نؤكد على أمرين مفصلين:
1- إن كنت غنياً فحاول أن تنظر إلى الأمور بعيني فقير، أو متعب، وساهم في اختراع أرخص مكيف أو مكنسة لا تصدر ضجيجاً.
2- أما إن كنت فقيراً ففكر في حل ابتكاري لمشاكلك وستنقذ نفسك والعالم معك، الأمر ليس مستحيلاً فالهند أفضل أنموذج!



الكاتب:

: آسية بنت سعود آل رشود- عضو فريق تحرير بوابة موهبه