تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#

11157

أبناؤنا والحدس

يعد الحدس الخطوة الأولى في الإبداع، ويمثل إحدى القدرات المعرفية لدى الإنسان، ولا نبالغ إذا قلنا أن الحدس هو المسئول الرئيسي عن الإبداع. فقد قال الرياضي المبدع هنري بوانكريه (Henri Poincaré-1912-1854): "أنه بالمنطق يمكننا أن نثبت ونبرهن، وبالحدس فإننا نكتشف ونبدع، وأكد بعض العلماء أننا جميعا تربينا على الظن والتخمين، فالحدس يدخل بشكل أساسي في سلوكنا اليومي وتصرفاتنا وقراراتنا اليومية.
هذا وتعد الفِراسة من أبرز الأمثلة على الحدس، حيث تعتمد على الإدراك والتعرف على ملامح الوجه وأسراره، ولذلك فهي ترتبط بالفكر الحدسي الذي يعد بدوره مفهوم افتراضي كأي مفهوم افتراضي آخر، مثله مثل وظائف العقل الأخرى كـ ( الذكاء، والذاكرة، والانتباه...) لذلك فهو يعد عاملاً مشجعاً  للطفل نحو حل المواقف الذكية خصوصاً إذا كان معززاً ومدعوماً من قبل المربين.
ويمكن وصف الفرد بأنه ذو تفكير حدسي إذا بدأ بحل مسألة ما، و لم يصرف الكثير من الوقت والجهد العقلي في حلها، ثم وصل إلى الحل بشكل مفاجئ، ويوصف تفكير الطفل بأنه حدسي حين تُوجه له أسئلة مفاجئة ويقدم تخمينات جيدة وسريعة توصل إلى نتيجة مثمرة وفعاَّله.
الكثيرون اعتبروا الحدس لغزاً محيراً، وخصُّوا به المبدعين من العلماء والشعراء أو ذوي القدرات الخارقة. وقد عرّفه بعض العلماء بأنه: معرفة شيء ما بدون أن نعرف كيف عرفنا هذا الشيء، وبدون أن نكون قادرين على إثباته. فالحدس يعزز ويقوي المعرفة بالعلاقات بين الأشياء والمعارف ويزيد من ثقة الإنسان في اتخاذ قراراته وتحديد وتوضيح أهدافه وزيادة إبداعه وإنتاجيته، وهو القدرة على التحكم الصحيح والتنبؤ بالاستنتاجات.
هناك الكثير من العوامل المهمة في تكوين عملية الحدس ومنها: الذاكرة والخبرة، وتكمن أهمية الذاكرة  في أن الإنسان بطبعه ذو مشاعر، فعندما ترتبط المشاعر مع التفكير لابد أن تعود للذاكرة لتذكر المواقف والتجارب، أما الخبرة السابقة فإن لها أيضاً تأثير كبير في التفكير الحدسي. وعرّف جيلفورد الحدس على أنه الرجوع إلى المعلومات بطريقة مختلفة عن طريقة إدخالها وتخزينها، بحيث يُعبّر التعامل مع المعلومات عن درجة عالية من الحداثة والإبداع.
على الرغم من أن نتائج التفكير الحدسي تظهر فجأة وكأن المفكر قد تجاوز جميع الخطوات المتسلسلة والتي تسمى "بالتفكير التحليلي"، فإن التفكير الحدسي يعد أساساً للتفكير الإبداعي وهو الموجه للتفكير التحليلي والمنطقي الذي نستخدمه للوصول لأي نتائج.
تعتبر عملية التدريب على التفكير الحدسي بالنسبة للطلبة عملية ممكنة، هذا إذا قام المعلم على إتاحة الفرصة لهم باكتشاف البراهين والأدلة لأي موضوع كان، بدلاً من مراجعة تلك البراهين والأدلة، مع تقديم أسئلة حدسية خاضعة للتخمين والتحليل الضمني أكثر من استخدامه للأسئلة ذات الإجابات التقليدية. لذا من الضروري تهيئة البيئة اللازمة، لتوفير فرص استخدام الطفل للتخمينات الحدسية كتخصيص مساحة للجري واللعب في الفناء الخارجي، وكذلك من خلال الأنشطة الاجتماعية والترويحية التي يشترك فيها الطفل حسب ميوله.
 ولو تحدثنا عن معيقات تنمية الحدس لدى الطلبة، لوجدنا أن تهميش المربي أو المدرس لإجابات بعض الطلاب يعيق من محاولتهم في استخدام إستراتيجية الحدس، فالظروف السليمة التي تنمي الحدس تتساوى فيها تخمينات الخطأ مع تخمينات الصواب، لذا إن عملية بتر أفكار الطفل ومنعه من إيجاد الحلول والتخمين بالخطأ والصواب تعيق أفكاره الإبداعية عن الاسترسال.
يبدو من المستحيل أن يقوم أي معلم أو مربي على تعليم التفكير الحدسي للطفل أو تدريبه، ما إن لم يكن هو بذاته يفكر بهذا النوع من التفكير، فيجب أن يتم تشجيع المعلمين على الالتحاق بدورات تدريبية لتعلم مهارات التفكير والتفكير الحدسي، والإلمام بالمعلومات الكافية والضرورية في مجال التفكير، وممارسة التفكير الحدسي أمام المتعلمين، بالإضافة إلى توفير الأدوات اللازمة التي تسهم في تطوير حدس الطلاب.
هذا ويمكن للوالدين مساعدة أبنائهم في مجال التفكير الحدسي بالتحفيز وإثارة الخيال، والاستجابة لأسئلتهم حتى وإن وجدوا فيها إلحاحاً و كثرة، كما أن بإمكانهم تهيئة المنزل ليكون بيئة مثالية لاحتضان الإبداع وتنميته.
وأخيراً لا بد أن ندرب صغارنا منذ البداية ونصقل مهاراتهم وطرائق تفكيرهم دوماً على الحدس والاكتشاف، ولا نقمع عقولهم الصغيرة عن التفكير، فلنسعى سوياً لتطويرها ومن اليوم، كي نرتقي بحدس الأفراد في المجتمعات، ولندعم عملية التطوير والاكتشاف والعمل بجدية نحو الإبداع، وهذا ما تتمناه جميع البلدان لشعوبها .



الكاتب:

فريق تحرير البوابة