تسجيل الدخول
التصنيف :

#ابتكار#

11635

براءة الاختراع: استثمار في التقنية ليست مرادفاً للجودة ولا العبقرية

 

يسعى الكثيرون للحصول على براءة اختراع ظناً منهم بأن براءة الاختراع تعني العبقرية، ويحرص آخرون على شراء منتجات عليها رقم براءة اختراع ظناً منهم بأنها تعادل الجودة للمنتج وآخرون يسعون للثراء من وراء براءة الاختراع ظانين أن من لديه براءة اختراع يتهافت عليه المستثمرون وعليه أن يتخير الأعلى سعراً ليبيع له.

براءة الاختراع والعبقرية

لحصول أي فكرة علمية على براءة اختراع ينبغي أن تتوفر لها ثلاثة شروط على الأقل في أي مكتب براءات اختراع في العالم يقوم بفحص طلبات براءات الاختراع فحصاً موضوعياً، وقد تزيد في غيرها وقد تنقص في أخرى.

الشرط الأول أن يكون الاختراع جديداً Novel، أي لم يسبق الكشف عنه بأي وسيلة من الوسائل المعروفة، سواء كان هذا الكشف عن طريق المخترع أو مالك الاختراع أو طرف آخر، مما يعني أن الفاحص لطلب البراءة سوف يبحث في قواعد البيانات المحلية والعالمية عن اختراع مماثل لهذا الاختراع ولو في أجزاء منه، ولا يقتصر البحث هنا على قواعد بيانات براءات الاختراع فقط، بل يتعداها للدوريات العلمية والنشرات الدعائية لشركات عاملة في نفس مجال الاختراع، ومنشورات المؤتمرات وغيرها مما يمكن الحصول من خلاله على معلومات حول الفكرة، فعلى سبيل المثال في عام 2000 و2001 ميلادي انتشر بين الأطفال لعبة السكوتر، وفي كثير من محاضراتي في ذلك الوقت كان يشير البعض للسكوتر على أنه اختراع حديث ويسألون عنه، وحقيقة الأمر أنه قديم جداً ولإثبات ذلك استخدمت نسخة من قاموس المورد لمنير بعلبكي طبعة 1979م حيث ورد في الصفحة 820 منه ترجمة لكلمة سكوتر Scooter مع صورة صغيرة له لدحض مزاعم الجدة للاختراع، وهذا بالضبط ما قد يستند عليه فاحص طلب براءة اختراع لدحض الجدة في طلب جديد تقدم به مخترع للحصول على براءة، ولنفي الجدة عن طلب براءة اختراع يلزم الفاحص الحصول على وثيقة واحدة تصف الاختراع محل الفحص أو تصف ما ورد في أحد عناصر الحماية لأن الرفض والقبول في طلب براءة الاختراع يتم على عناصر الحماية (المطالب claims) وما ورد فيها وليس على ما ورد وصفه في أي موضع آخر من طلب البراءة.

الشرط الثاني الخطوة الابتكارية inventive step، وعكسها هو البداهة obviousness وهنا لا بد للاختراع أن لا يكون بديهياً بالنسبة لرجل المهنة العادي، ورجل المهنة العادي هو شخص عادي تخيلي يعمل في نفس المجال التقني للاختراع، ويمكن الحكم على عدم وجود خطوة ابتكارية أو بداهة الاختراع باستخدام وثيقتين إذا جمعتا معاً تصفان الاختراع كما ورد في عنصر الحماية claim محل الفحص، ويشترط لهاتين الوثيقتين أن تكونا في نفس المجال التقني للاختراع وإن كانت إحداهما براءة اختراع والأخرى مطوية تعريفية لمنتج أو أحدهما منشورة علمية والأخرى مقال في صحيفة أو أي وثيقتين من أي نوع، وعندما يعتبر الدمج بين وثيقتين (فكرتين) في نفس مجال التقنية بديهياً لرجل المهنة العادي، لا يمكن منح البراءة.

الشرط الثالث قابلية التطبيق الصناعي، وفي هذا يتم استثناء الاختراعات التي لا يمكن أن تصنع أو تكون منتجات يمكن تداولها مثل برامج الحاسب وطرق إجراء العمليات الجراحية أو طرق أداء الأعمال وغيرها مما يمكن الرجوع إليه في المستثنى من الحماية ببراءة اختراع في نظام أي دولة من الدول العالم.

إذا توفرت الشروط الثلاث السابقة مجتمعة، يحصل الطلب على براءة اختراع، وإذا لم يتوفر أحدها لا يمكن الحصول على براءة اختراع.

ومما ورد أعلا يتضح أن براءة الاختراع لا علاقة لها بالعبقرية أو النبوغ أو التفوق العقلي بل يكفي المخترع أن يتجاوز الشروط الثلاث المبينة أعلاه للحصول على براءة، ويوجد العديد من الكتب ومواقع الانترنت التي تتناول الكثير من لاختراعات التي تصنف على أنها غير عملية (مضحكة أو غبية) ويعرض موقع www.google.com/patents على واجهته كل يوم عدداً جديداً من هذا النوع من الاختراعات.

أثناء عملي كفاحص لطلبات براءات الاختراع كنت أشرف على بعض الفاحصين الجدد وكان بعضهم يرجع لي في اختراعات يفحصونها ويرون أنها غير عملية وأن هناك حلولاً أكثر فاعلية للمشكلة التي يحلها هذا الاختراع وهذه الحلول موجودة ومعروفة، وهم محقون في ذلك ولو على الأقل من وجهة نظرهم ووجهة نظري لكن الواقع أن وجهة نظرنا للاختراع لا تكفي لحجب البراءة حيث أن الفيصل بين الفاحص (مكتب براءات الاختراع) ومقدم الطلب هو الشروط الثلاث (أكثر أو أقل حسب مكتب براءات الاختراع)، فإن استوفاها الطلب حصل على البراءة وإن لم، فلن يحصل عليها، والذي يحدد جدوى الفكرة من عدمه هو السوق الذي سيطرح فيه الاختراع والمستثمر الذي قد يفكر في استغلال الاختراع.

براءة الاختراع والجودة

يعتقد الكثيرون أن المنتج إذا حمل رقم براءة اختراع فهو منتج جيد ويعتمد عليه، والحقيقة أنه بالنظر للشروط أعلاه المتعلقة بمنح أو رفض البراءة نجد أن الجودة ليست أي منها، وهذا ليس قصوراً في نظام براءات الاختراع حيث أنه نظام لحماية الفكرة فقط وليس لضمان جودة المنتج، أي أنه يتعلق بالفكرة وليس بمواد أو طريقة التصنيع وهناك جهات أخرى مسئوليتها جودة المنتجات. وتبقى مواد أو خامات التصنيع مسئولية من يطرح المنتج في الأسواق.

أحد العلب الاسطوانية لمنتج مشهور للمسحات القطنية المرطبة أو المعطرة – والتي تستخدم غالباً للرضع – تتصل المسحات فيها بعضها ببعض بحيث إذا سحبت أحدها خرج لك طرف التالية، علبة قديمة للمنتج أحتفظ بها وتحمل رقمين لبراءات اختراع أمريكية هما 4017002 و 4337876، تبين أن الأولى تتعلق بطريقة لإخراج المناديل المرطبة من العبوة والثانية بغطاء العبوة (الحاوية)، وبالتالي لم تتعلق بجودة المنتج نفسه، بل بالحاوية، مما يؤكد أن البراءة لا علاقة لها بجودة المنتج.

ومثال آخر هو وجود أرقام براءات اختراع على الأغطية البلاستيكية المستخدمة للأكواب الورقية للقهوة وغيرها من المشروبات (لمن يتناول مشروبه خارج المقهى أو المطعم أثناء التحرك أو القيادة)، فعند شرائك مشروباً فأنت لا تسأل عن جودة غطاء الكوب بل عن جودة المشروب لكون نهاية هذا الغطاء سلة المهملات، بالتالي الجودة هنا وقتية لحين الانتهاء من المشروب، وإن كان الغطاء رديء التصنيع ولكن فكرته ممتازة جداً، فإن الحل الأمثل لتناول مشروبك المفضل هو الاستغناء عن الغطاء أو جلب كوبك الخاص معك للمقهى أو المطعم.

بالتالي فإن رقم البراءة لا يعني إلا أن المنتج محمي من التقليد كفكرة ولا تعني جودته في الأسواق ورقم البراءة هنا بمثابة التحذير لمن تسول له نفسه تقليد المنتج.

استثمار في التقنية

هذا هو جوهر وحقيقة براءات الاختراع، استثمار في التقنية فهي ليست شهادة عبقرية ولا مؤهل علمي حيث تتضاءل قيمة البراءة بمرور الزمن فتصبح بعد عشرين سنة من تاريخ تسجيلها لا تسوى قيمة الورق الذي تطبع عليه – مادياً – إلا كمرجع علمي، قد تبدأ الفكرة في مصنع ما لتطوير منتج ما، وتتبلور إلى منتج قد يجد سوقاً وإقبالاً، وتتحول للتسجيل كطلب براءة اختراع وأثناء فحص الطلب يكون المنتج في الأسواق (تبدأ الحماية من تاريخ تسجيل طلب البراءة وليس من تاريخ منح البراءة)، وتكون التكاليف في البداية مرتفعة والعوائد قليلة إلى أن يلقى المنتج قبولاً ورواجاً في الأسواق ثم تبدأ مرحلة جني الأرباح بعد عدد من السنوات، وقد لا تحدث ويفشل الاختراع ويسقط، وقد تسير الأرباح إلى ازدياد حتى نهاية العشرين سنة من أمد الحماية القانونية للاختراع وقد تبقى دون زيادة وقد تتضاءل، ويدخل في هذا كله عدة عوامل، منها جودة المنتج والدعاية له، ومنها ظهور منافسين بمنتجات أفضل، ومنها عدم اكتراث مالك الاختراع لتطويره وطرحه في الأسواق لوجود منتج آخر لدى نفس المالك أكثر أهمية من المنتج الحالي.

تبقى حقيقة هامة وهي أنه ليس كل اختراع جيد وله سوق وإن اختلفت الأسباب، اختراعات الشركات والمصانع يصل 70-80% منها إلى الأسواق ويجد قبولاً ولو وقتياً، أما اختراعات الأفراد فلن يصل أكثر من 1% منها إلى الأسواق وهذا حسب إحصائيات الاختراعات الأمريكية، وبالتالي ما يعتقده الكثيرون من تهافت المستثمرين عليهم لشراء اختراعاتهم بالملايين لمجرد أنهم يملكون اختراعاً فليس إلا من أحلام اليقظة التي لا تتحقق إلا للنادر منهم، وقد يحتج البعض بما ترد به الأنباء عن مخترع باع بملايين، والرد على ذلك هو انه لو كان الأمر طبيعي ويحدث كل يوم لما تناقلته الأخبار.

بل الذي لا يعلمه الكثيرون أن نسبة المخترع الذي يرخص اختراعه للغير لاستغلاله لا تتعدى 5% من صاف المبيعات في أحسن الأحوال وعادة ما تكون النسبة بين 1-3% فقط، ولا يصل لنسبة 10% من صاف المبيعات سوى الاختراعات المتعلقة بالتقنية الحيوية والالكترونيات.

في الثمانينيات من القرن الماضي كان الهاجس الأكبر في عالم الطب هو الكشف عن فيروس نقص المناعة المكتسبة Human Immune Deficiency Virus (HIV) المسبب لمرض الايدز Acquired Immune Deficiency Syndrome (AIDS) في عينات الدم بطريقة فعالة ومضمونة، ولما كان الفيروس يكمن في الجسم لفترة تصل لخمس سنوات ويتواجد بكميات ضئيلة يصعب الكشف عنها باستخدام الاختبارات الموجودة، كان يصنف الكثيرون على أنهم خالين من المرض والواقع أنهم لم يكونوا كذلك، وقد قام أحد العلماء العاملين في أحد شركات الصناعات الطبية المشهورة باختراع جهاز يضاعف الحمض النووي صناعياً وعرف باسم Polymerase Chain Reaction (PCR)، حيث يمكن للجهاز أن يضاعف من كمية الفيروس التي لا يمكن أن نجدها في عينة الدم بكمية كبيرة بحيث يمكن التعرف عليه بسهولة في العينة، وللجهاز – طبعا – استخدامات أخرى في مجال التقنية الحيوية، لم يحصل المخترع الذي كان له السبق التقني في هذا المجال سوى على مكافأة بالإضافة لراتبه حيث أن ملكية هذا الجهاز الثوري تعود للشركة التي يعمل بها، بالتالي فإن حلم الثراء الفاحش حتى للباحثين العاملين في الصناعات أو القطاعات الأكاديمية، ليس بقريب.

ولكن بكثرة اختراعات المخترع في مجاله فإنه يصبح متميزاً، ففي أحد القصص المشهورة أن أحد الشركات كانت معروضة للبيع وعند قيام أحد الشركات الراغبة في الشراء بفحص سجلات الشركة المعروضة للبيع تبين لها أن كل المنتجات التي تحتاج إليها صنعها أحد العلماء في هذه الشركة دون سواه، فقاموا بتوظيف هذا العالم لديهم وتخلوا عن فكرة شراء الشركة.

يبين الشكل المرفق أهمية براءات الاختراع في التطوير التقني والازدهار الاقتصادي للدول المطبقة للنظام بحزم وصرامة، فمردود البراءة ليس فقط على مالكها فقط من الناحية المادية، بل على الحركة العلمية والترجمة في الدولة نفسها بالحصول على ترجمة للتقنيات المتقدمة بلغة البلد المسجل فيها الاختراع وهو ما يبينه المربعين 1 و 2 في الشكل المرفق، ويتعدى النفع الفرد والعلماء إلى الدولة ومن فيها، فبدون الحماية القانونية للاختراعات سيكون الوضع كما هو لدينا حالياً في عالمنا العربي ودول العالم الثالث، بدون تقدم أو تطور تقني واقتصادي، ويستمر الوضع أيضاً دون تطور تقني واقتصادي في ظل وجود نظام براءات اختراع (أو أنظمة ملكية فكرية) غير مفعل (أو مفعلة) أو في غياب التوعية اللازمة بأهمية هذه الأنظمة وكيفية الاستفادة منها، لم يتقدم الآخرون علينا إلا بوجود هذه الأنظمة وتفعيلها وتطبيقها بكل حزم والتوعية بها. ما فادهم سيفيدنا بإذن الله إن طبقناه كما طبقوه، أما أن تكون غرامة التعدي على الاختراع مئة ألف ريال فقط حسب النظام السعودي، فإننا لا نرجو تقدماً في القريب العاجل.



الكاتب:

محمد فخر الدين الهاجري