تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#

13859

النبوغ اللغوي المبكر موهبة للاستثمار

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: "اقرأ باسم ربك الذي خلق   خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم   علم الإنسان مالم يعلم" صدق الله العظيم. بهذه الآيات الكريمة بدأ نور الرسالة المحمدية التي أضاءت مشارق ومغاربها ورسخت بقلوب البشرية حقيقة مفادها أن القراءة هي تكليف إلهي وأساس العقائد والمعرفة وسبيل الوصول إلى العلوم؛ فبممارسة القراءة يتمكن الإنسان من التعرف على كل ما يدور من حوله وتحقيق عظيم إنجازاته.


وبناءً على هذه الحقيقة الثابتة تأتي النظريات العلمية والبحوث المتخصصة التي تؤكد أهمية بدء القراءة في سن مبكرة للأطفال وتوجيههم الصحيح لبناء قاموس لغوي يساعد على فك الرموز لتحفيز ملكات الإبداع لديهم، ورسم الملامح المحسوسة لمواهبهم الفطرية لإيصالها إلى العالم الخارجي، بداية بالبيت و المدرسة و انتقالا إلى فضاءات  اجتماعية جديدة، تتيح لهم بيئة خصبة لتوسيع مداركهم الفكرية. لذلك على أولياء الأمور التنبه إلى أهمية القراءة لدى أطفالهم في سن مبكرة وإتباع أساليب علمية تحفزهم للاستمتاع بالقراءة و التفاعل معها. تحتل القراءة الصدارة عند جميع شعوب العالم كونها اللبنة الأساسية التي تبنى عليها جميع العلوم والمعرفة وهي الخطوة الأولى لإكتشاف العالم المحسوس وتعزيز القدرات الإبداعية في سنٍ مبكرة، خاصة إذا كان الطفل يتمتع بخصائص النبوغ المبكر في تعلم اللغة والمعرفة، حيث تنفتح أمامه أبواب التعلم وتتشكل لديه مؤشرات الإبداع والتميز في سنٍ أبكر من العاديين، ويسهل عليه التفكير الاستدلالي وإيجاد الحلول العلمية لبعض المسائل التي تواجهه في السنوات الأولى من التعليم المدرسي، واكتسابه للغة شفوية متطورة تحفزه على التفكير والبحث عن الحقائق المعرفية وتحقيق الإبداع والإبتكار.
رغم ازدهار دور الطباعة والنشر في معظم الدول العربية مازالت الكثير من مجتمعاتنا لا تعي القيمة الحقيقية للقراءة ودورها الفعال في تنوير العقول واكتشاف المعرفة وارتباطها بجميع العلوم الإنسانية والتكنولوجية. فالقراءة مثل الوقود لعملية الإبداع والابتكار، وكلما تطورت مستويات القراءة لدى الأفراد تسارعت عجلة الفكر الإبداعي لدى الشعوب وتطور المخزون الثقافي والمعرفي للأمم وازدهرت الحضارات.


أثناء عملية البحث لم نجد أرقاما ودراسات دقيقة لواقع القراءة ومعدلات الإقبال على اقتناء الكتاب في عالمنا العربي، وتحديدا حصة أطفالنا الصغار من ممارسة القراءة؛ معظم المنشور على شبكة الإنترنيت من بحوث ومقالات تعتبر اجتهادات فردية لقراءة عامة  لواقع الحال ، استنادا على معطيات جديدة حلت مكان الكتاب وغزت مجتمعاتنا (كالانترنيت وألعاب الفيديو والتلفزيون .....إلخ) وبالتالي تحولت الثقافة المقروءة إلى ثقافة بصرية تعتمد على الإبهار وتعطيل خيال الطفل أمام مؤثرات صوتية وبصرية تحد من تحفيز آليات الإبداع والابتكار، وتستنزف ساعات طويلة من اليوم يمكن توظيفها في تنمية مواهب الطفل في مجالات (الرسم والكتابة ،الشعر البحث القراءة ، ...إلخ).
أصبحت الوسائل الحديثة تستنزف معظم الأوقات التي يتم  تخصيصها للقراءة عند الأطفال، والتي غالبا تبدأ في سن الخامسة مع الدخول المدرسي. للأسف  نجد الكثير من أولياء الأمور يعتقدون أن القراءة عند الطفل مقرونة بدخوله المدرسة و معرفته للحروف ومن ثم يتعلم القراءة ليبدأ ممارسة التفكير والإبداع، في حين أنّ جميع النظريات الحديثة في التربية والتعليم تشير عكس ذلك ، وقد أثبت بعض الباحثين المتخصصين كيفية الاستفادة من القراءة النشطة في برنامج خصص لقراءة الأطفال البالغين (سنتين). تتمثل القراءة النشطة في إشراك الآباء والأمهات مع الأبناء في حوار تفاعلي مع أحداث القصة، وقد حقق الأطفال المشاركين في تلك الحوارات مستويات متقدمة في تنمية الثروة اللغوية وتحقيق مزيد من النمو اللغوي.


يتساءل الكثير من أولياء الأمور عن البوادر الأولى لاكتشاف مواهب الطفل المعرفية في القراءة بسن مبكرة بين  (سنتين -5سنوات) أي قبل الالتحاق بالمدرسة. ويرى علماء النفس أن الذكاء والقدرة على الإبداع غالبا ماتقترن بالنبوغ  اللغوي والفكري المبكر، حيث يتمكن الطفل من تكوين جملٍ طويلة ذات معاني استنادا للغة شفوية متطورة تسبق مرحلة الكتابة، تساعده على الربط بين المدلول اللغوي والرموز المحسوسة المتواجدة من حوله، وسرعان ما يتشكل لديه  قاموس شفوي متطور يحوي عشرات المدلولات المجردة التي لها مدلول حسي في عقله، يصطلح عليه بالنبوغ اللغوي لحديثي القراءة، عكس الأطفال العاديين الذين تتزامن مرحلة القراءة لديهم مع مرحلة التوجيه التعليمي والتربوي.

غالباً ما تكون القراءة المبكرة علامة لمواهب إبداعية لكنها ليست القاعدة، لذلك على الأمهات  التركيز على نقاط معينة لاكتشاف أطفال نابغين في القراءة استنادا على مؤشرات (حركية، لفظية، حسية) تصدر من الطفل منذ السنة الثانية من عمره، تزامنا مع بداية  تجربة القراءات الأولية التي تقدمها الأم له  وتناميا مع تعلقه بها.
- من أهم المؤشرات الأولية للتعرف على النبوغ اللغوي المبكر عند الأطفال  ما يلي:


1. متابعة قراءة الصفحات من اليمين إلى اليسار بحركة الرأس.
2. تفاعل الطفل مع الرسومات والصور المدرجة في القصة.
3. التعليق المتكرر على الألوان والصور بعبارات متجددة .
4. ترديد أسماء الشخصيات، الأرقام، الأماكن المذكورة في القصة.
5. تخزين بعض المدلولات اللغوية وإعادة استعمالها في مواقف مختلفة
6. الإلحاح على الاستماع إلى القصة أكثر من مرة بحركات انفعالية .

تشكل الأسرة اللبنة الأساسية للتكوين المعرفي والإبداعي للطفل حيث يستطيع الأبوين دعم تطوير المعرفة اللغوية لدى أطفالهم الموهوبين وحديثي القراءة  منذ السنوات الأولى للنمو (سنتين)، بتوفير بيئة غنية بمواد مطبوعة لكتب القصص والحكايات والأشرطة الصوتية وكل مستلزمات إثراء القاموس الشفوي لدى الطفل وتغذية نقاط الخيال لديه. تتضمن التوصيات العملية في البيت ضرورة تحديد أوقات معينة للقراءة بشكل منتظم وإضفاء الكثير من المرح والتسلية، دون تجاهل الجانب التوجيهي و التعليمي في تخزين المدلولات الشفوية وربطها بالرموز الحسية، لبداية تشكيل المعرفة الفكرية للطفل وتسريعها بشكل منتظم.


ثم يأتي دور المدرسة مكملا لدور البيت، لذلك من الضروري توفير برامج موجهة لصغار الموهوبين من التلاميذ، ويتم توفيرها لجميع مستويات القدرات اللغوية وتحديد الاختلافات الفردية في الاهتمامات الخاصة بالقراءة. هذا و تختلف التعليمات للأطفال حديثي القراءة الذين يمتلكون نبوغا لغويا مبكرا عن الأطفال العاديين - الذين لا يمتلكون لغة شفوية ولا مدلولاً حسياً؛ وذلك من أجل متابعة الحالات الفردية حيث يجب على المدرسة توفير ضوابط متطورة وإجراءات لتقييم المهارات اللغوية لدى التلاميذ فور دخولهم المدرسة، يشمل التقييم مستوى الإلمام الصوتي (التواصل مابين الصوت والكلمة) والتركيز على مهارات فك الشفرات (معاني الألفاظ الحسية)، التهجئة (تهجي أحرف الكلمات بشكل سليم) وبالطبع الكتابة.

ومن الضروري أن توفر المدارس برامج للأطفال الموهوبين ذوي القدرات العالية لتقديم الدعم لهم وتسريع التطور المعرفي لديهم.

كما تحتل فئة التربويين داخل الصف المدرسي  نفس درجة أهمية المدرسة وأولياء الأمور، وعلى المعلم الإلمام بمراحل التطور المعرفي والحالات الفردية لقدرات التلاميذ، بناءً عليها يتم توفير نشاط تطوري مناسب  لاستعداداتهم للتعلم والحرص على إدراج القراءة كفقرة أساسية لجميع النشاطات، لتعويدهم على ممارسة القراءة الموجهة للتعرف على حجم القاموس الشفوي لديهم ومدى ارتباطه بالرموز الحسية.


في هذا السياق ينصح  مكتب التربية والتعليم الأمريكي 1987م في نشرته (ماذا ينفع) أولياء الأمور بمساعدة أطفالهم ليصحبوا قارئين  جيدين  في سن مبكرة، من  خلال التركيز على القصص المصورة والمشوقة في نفس الوقت. لقد تم دعم (النشرة) بالكثير من الدراسات المتخصصة  وظل التركيز على  قراءة القصص في سن مبكر  لدورها في  تطوير اللغة الشفوية، التي تعتبر مهارة مطلوبة لإتمام عملية القراءة. ومن أهم الدراسات التي ركزت على جزئية الدور الأساسي لقراءة القصة في تطوير المهارات الإبداعية  والمعرفية هي Seneschal1984)) حيث قام باختيار عينات عشوائية لأطفال من طبقة متوسطة وتوصل إلى نتيجة مفادها أن الأطفال الذين مارسوا عملية القراءة، تطورت لديهم اللغة الشفوية وازدادت لغتهم المكتوبة. وأجرت (Sulzby) في نفس السنة  دراسة حول طرق تعليم القراءة للأطفال الذين لديهم نبوغ مبكر في القراءة، سجلت الدراسة  نتائج مبهرة أهمها أن القراءة المتكررة للأطفال تجعلهم يحصلون على درجات عالية في معايير الاستعداد للقراءة الموجهة والقراءات الحرة، بالإضافة إلى أن معظم الأطفال الذين يتعلمون القراءة والكتابة قبل مرحلة التعليم النظامي يعتمدون على أنفسهم في تسريع القراءة، عن طريق كتب القصص و الحكايات. وهكذا يصبح لديهم قائمة بالكتب المحببة لديهم ويطلبون من الآباء إعادة قراءتها باستمرار في السنوات الخمس الأولى، والملفت للإنتباه أن الكثير منهم يقوم  بالتصحيح للقارئ إذا أغفل أحد السطور وهذا يعكس نبوغا وموهبة تتفتح في سن مبكرة تستدعي المتابعة الدقيقة لها.


 الخلاصة التي توصلنا إليها هي حقيقة ثابتة لا تقبل الزيف تؤكد أن   القراءة هي باب المعرفة والإبداع، من جملة أهدافها  توسيع دائرة خبرات الطفل  وربط  مداركه الحسية بالعالم المحيط به دون إغفال التسلية والمتعة المطلوبة لعمره ،تساعده أيضا على حل المسائل العالقة في ذهنه والتي تحتاج لعشرات الأجوبة ناهيك عن تعزيز ثقته بنفسه وتمهيد طريق الإبداع والابتكار في فضاء العلم والمعرفة.

 



الكاتب:

فريق تحرير البوابة