تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#ابتكار#

290

إشعال روح الابتكار في مجتمع الموهوبين والمبدعين

​​

Inner-Article1 ٣٥٠_٢٣٣-06.png
 



في خضم تركيز المملكة العربية السعودية على التنوع الاقتصادي من خلال رؤية ٢٠٣٠، يظهر مفهوم الابتكار بشكل جلي في العديد من دوائر القطاعين العام والخاص، حيث تدخل العديد من الجهات في فحوى العملية الابتكارية؛ بما فيها الحاضنات والمسرعات التي تدعم الأفراد في رحلتهم لتوفير الحلول المبتكرة للمشاكل القائمة أو تحسين المنتجات أو الخدمات الحالية. هذه وغيرها من المنظمات قد حققت قفزات إيجابية في المساهمة في التخفيف من اعتماد المملكة على البترول. 

أحد أجزاء هذه المرحلة التي ينبغي الوقوف عليها والإسهاب فيها هو الجانب الإنساني، وما هي المتطلبات ليكون الفرد "مبتكراً"، بما في ذلك إشعال لهيب الحماس بداخله، ويتجلى ذلك بشكل واضح في مجتمع الموهبة والإبداع كما شهدناه في نجاحاتهم السابقة والحالية في المسابقات الأكاديمية والابتكارية المحلية والعالمية. 

 
الهدف من هذا المقال هو إعطاء التوصيات لكيفية إشعال روح الحماس والطموح لدى الموهوبين، ولكن ينبغي أولاً تعريف المفاهيم المستخدمة:

 
 الابتكار: فكرة أصيلة ومفيدة من الممكن أن تكون حلاً لمشكلة قائمة أو تطويراً لمنتج أو خدمة حالية.

 الاكتشاف: أمر موجود بالأصل، ولكنه لم يعرف من قبل، ومن الممكن التعرف عليه ونقله.

 الإبداع: قدرة وكفاءة استثنائية أو أداء إيجابي متميز من بين الآخرين في مجالات التفوق العقلي أو في العرف الإبداعي.

 
ثانيًا، من المهم معرفة أن الأفراد دائماً ما يكونوا​ مدفوعين بعوامل معينة خلال سعيهم لتحقيق النتيجة النهائية، ولمشروع الابتكار، قد توجد بعض النوايا والمقاصد الشخصية ينبغي الحرص على عكسها، أحد هذه الدوافع هو المساهمة في تلبية الاحتياجات البشرية. في أي مجتمع، هناك أشخاص يحتاجون إلى مساعدة الآخرين، سواء كان ذلك بسبب المرض أو الإعاقة أو الضوائق المادية أو الأزمات العاطفية، ودعم هؤلاء المحتاجين يمكن إدراجه تحت الهدف العام وهو القيام بعمل صالح. 

 
جانب آخر، هو ضرورة خلق مصدر رزق وكسب المال لدعم فرد أو إعالة عائلة بأكملها. الوظائف متاحة، ولكن لو كان لدى أحدهم فكرة واضحة وسوق مستهدف متاح، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تأسيس شركة ناشئة قادرة على النجاح وتحقيق الإيرادات.

 
دافع إضافي آخر، هو إشباع هواية أو اهتمام، فمعظم الناس لديهم شيء يحبون عمله خارج نطاق الوظيفة كالألعاب، والطهي، والسفر، والقراءة، والرياضة وغيرها الكثير، وخير من صاغها لنا هو مارك توين حينما قال: "ابحث عن وظيفة تستمتع بالقيام بها، ولن يكون عليك العمل ليوم واحد في حياتك"  وأكثر المشاريع متعة هي تلك التي تثير اهتمام صاحبها، وتجعله يستيقظ كل صباح راغبًا في مواصلة عملها.

 
وسبب أخير يعطي الدافعية للأفراد، هو اهتمامهم بصحة اقتصاد دولتهم واكتفائها المستقبلي، وبلا شك فإن المملكة وضعت نصب عينيها التركيز على مستقبل الابتكار والاكتشاف من خلال الحوافز الاقتصادية، ويتجلى ذلك في كل من العلوم البحتة والتطبيقية؛ فا​لعلوم البحتة هي الأعمال القائمة على البحث الأكاديمي فيما يتعلق بالمشاريع الإبداعية، وفق منهجية علمية أو في عملية الهندسة أو الاختراع، أما العلوم التطبيقية فهي تنفيذ الابتكار على أرض الواقع بغرض المنفعة المالية والمجتمعية.
ويمكن، بل ينبغي، تحويل بعض الجهود من علوم بحتة إلى مشاريع تطبيقية، على غرار العديد من الاستراتيجيات الحكومية العالمية الناجحة، على سبيل المثال كوريا الجنوبية، والتي تحتل المرتبة ٢٨ في التعداد السكاني العالمي والمرتبة ١٢ في الناتج المحلي الإجمالي تعد استراتيجيتها في الاستثمار في البحوث النظرية لتحقيق الحلول التطبيقية، نموذجًا مثاليًا يحتذى به، حيث تولدت منها كبرى الشركات مثل سامسونج، وهيونداي، وإل جي، إلى جانب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والتي تمثل الآن ما نسبته أكثر من ٥٠٪ من إجمالي الناتج المحلي المصنّع للدولة. 

 

لذلك إن كان الابتكار هو الحل الأمثل في التقدم الأممي وتعزيز التعددية الاقتصادية، ينبغي الحث على إيقاظ هذه الروح من الداخل، خاصة بين الموهوبين والمبدعين، هؤلاء هم الطلبة والأفراد الذين لديهم طاقات كامنة قادرة على إفساح الطريق وتذليل الصعاب والقيادة بالبحوث والحلول الهندسية في شتى المجالات الضرورية لتحصين الاقتصاد. ولإرشادهم للطريق الصحيح، لا بد من تحفيز هؤلاء الطلبة لإلهامهم وتعزيز براعتهم وتنمية حس الخيال والابتكار لديهم، إذاً ما هي الأساليب الرئيسة لتشجيعهم؟

 
إليكم أبرز أربعة اقتراحات قابلة للتطبيق:

 
أولاً- زودهم بالخصائص والصفات المشتركة لأفضل المبتكرين على الإطلاق، فعلى مر القرون، شهد العالم مخترعين عظماء غيروا العالم، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ليوناردو دافنشي، مايكل فاراداي، الأخوان رايت، ماري كوري، توماس أديسون، تيم بيرنيرز لي، ستيڤ جوبز، إيلون مسك.. فإلى جانب مساهماتهم العظيمة في العالم في مجالات العلوم والتقنية، نلاحظ أن لهم خصالاً متشابهة يمكن نقلها للأشخاص الموهوبين، وأحدها هو إتقان المهارات العملية الأساسية والتي تتضمن:

 
الاستدلال- استعمال الأدلة والبراهين للتوصل إلى نتيجة.
الملاحظة- معاينة أمر ما بعناية لغرض التقييم.
القياس- تحديد شامل ودقيق للوحدات. 
التصنيف- التجميع بناءً على الصفات المشتركة
التنبؤ- توقع النتائج المبنية على هامش البحوث المجراة.
التواصل- القدرة على نقل المعلومة وشرح كل شيء بوضوح للآخرين.

 

إضافة لذلك، جميعهم يتشاركون هذه السمات الشخصية:
- الذكاء الحاد (موهوبون).
- معرفة عميقة بمجالات اختصاصهم.
- الشغف في مجالات من اختيارهم.
- الاكتشاف مصدر إلهام لهم.
- المثابرة.

 
والأخيرة في غاية الأهمية، فهناك قصص عن الإصرار الشديد لجميع الباحثين والمبتكرين العظماء وعدم استسلامهم، ولكل واحد منهم عزيمة وطموح لا حدود لهما، فلا شيء يثنيهم عن الوصول لأهدافهم.


"استمر بالمحاولة، فلا أحد يعلم ما يمكن حدوثه" – مايكل فاراداي
"لابد أن تكون لدينا المثابرة وقبل كل شيء، الثقة في أنفسنا" ماري كوري
"كن صادقًا مع نفسك والآخرين، وكن دقيقًا، ولا تستسلم، حقق أهدافك حتى حين لا تسير الأمور بشكل جيد" ستيف جوبز

 

ثانيًا- علّم الموهوبين والمبدعين أن يفكروا كالمبتكرين، والمفتاح هنا تعليمهم كيف يفكرون مثل هؤلاء المكتشفين المبدعين والناجحين.. وإليكم أفضل الإرشادات المتبعة لجعلهم يركزون عقولهم في المسار الصحيح:

 
o اتباع المهارات العملية الموضحة أعلاه.

o التساؤل المستمر والعثور على إجابات (الكتب والخبراء).

o تطبيق مهاراتهم الفطرية في التفكير الناقد.

o اتباع النهج العلمي أو الهندسي.

o حل المشكلات بطريقة منطقية.


ثالثًا- اربطهم بعملية الابتكار الملائمة، حيث يمكن أن تتوافر لدى الأشخاص الموهوبين والمبدعين كل الأدوات اللازمة، ولكنهم لا يزالون بحاجة إلى اتباع الممارسات الصحيحة في عملية الابتكار، وهذا سيسمح لهم بتحقيق النتائج من خلال منهجية الاختراع المثبتة، والتي تشمل الخطوات "من الفكرة إلى تسويقها":

 
- توليد فكرة الاختراع.
- تقدير قيمته.
- البحث عن حلول موجودة.
- ابتكار حل.
- حماية الفكرة من خلال قنوات الحماية الفكرية.
- إنتاج الاختراع من خلال النماذج، والاختبارات، والتعديلات.
- تسويق الاختراع.

 
ينبغي الأخذ في الاعتبار في هذا المجال معرفة "الموضع الأمثل" للابتكار، وهذا يتعلق بمدى مرغوبية الفكرة، وجدواها، وإمكانية بقائها واستمراريتها، حيث إن المرغوبية هي أكثر الحلول كمالاً لتلبية احتياجات المستهدفين، والجدوى تتمثل بتوافر الإمكانات من الموارد البشرية، والمواد، والتقنية وغيرها لتنفيذ الفكرة على صعيد اقتصادي، أما قابلية الاستمرار فتعني طبيعة تطبيق الحل في الإطار المكاني المحدد، ويجب تقييم هذه كلها في بداية العملية، وخلال أي تغيير يطرأ على التصميم. 

 
رابعًا- حافظ على الاستدامة العملية، من خلال وفرة الموارد والمقارنة المرجعية، فوفقًا للبروفيسور كلايتون كريستنسن أستاذ في كلية الأعمال من جامعة هارفارد: "يوجد ما يقارب أكثر من 30.000 منتج جديد كل عام، ٩٥٪ منها تتكلل بالفشل"11. وقد يعزو سبب ذلك للافتقار للمصادر، وغياب التوجيه، وانعدام الطموح لإتمام العملية. من الضروري التأكد من تعليم الموهوبين باستخدام جميع الموارد المتاحة، وتلقيهم للتوجيه والإرشاد على أيدي الخبراء لمساعدتهم في تخطي تحديات هذه المرحلة.

 

 

باختصار، أهم القيم الرئيسة لتحقيق أهداف رؤية ٢٠٣٠ تتمثل بمعرفة الدوافع المحركة للأفراد والفرق للابتكار والتقدم بالتسويق والمساهمات بإجمالي الناتج المحلي، بهذه الطريقة سنمهد طريقًا واضحًا في رحلة الأفكار الإبداعية، يمكن أن تؤدي إلى تطبيقات قابلة للقياس الكمي، من الممكن لمجتمع الموهوبين والمبدعين، ولزاماً عليه، أن يلعب دوراً أساسيا في عملية الابتكار لما لديهم من قدرات وتصورات مستقبلية يمكن نقلها لأرض الواقع، ويمكن تدريبهم كذلك على اتباع المنهجية الصحيحة لذلك بطريقة سليمة وفعالة، ولا بد من الاستمرار في الإبقاء على وهج "شعلتهم" كي يتمكنوا من إنارة الطريق وإفساحه للنمو المتنوع للمملكة في العقد المقبل.




الكاتب:

د.مارك أوليكساك - مستشار البحث العلمي بالأولمبياد الوطني للإبداع العلمي