تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#ابتكار#

282

الموهوبون والنوابغ في مدن التعلم الذكية

Picture12020sep.png 

يحمل هذا العنوان أربعة مفاهيم مهمة علينا استيعاب مضامينها كي ندرك الترابط الذي يطرحه العنوان فيما بينها. تشمل هذه المفاهيم مفهومي الموهوبين Gifted، والنوابغ Talented من جهة، ثم مفهومي مدن التعلم Learning Cities، والمدن الذكية Smart Cities من جهة أخرى. يرتبط المفهومان الأولان بصفتين إنسانيتين جذابتين هما صفتا الموهبة والنبوغ، ويتعلق المفهومان الآخران بصفتين حسنتين لبيئة المكان التي يعيش فيها الإنسان وهما صفتا التعلم وذكاء تنفيذ الأعمال. وعلى ذلك فإن موضوع المقال يرتبط بصفات إنسانية جذابة من ناحية، وصفات لبيئة مناسبة لحياته من ناحية ثانية. 

إذا بدأنا بطرح مفهومي الصفتين الإنسانيتين الجذابتين، فلعلنا نعود إلى مرجع مهم في هذا المجال وهو إدارة التعليم في ولاية فيكتوريا Victoria الأسترالية المهتمة بهذا الأمر. فالإنسان الموهوب تبعا لهذا المرجع هو ذاك الذي يتمتع بقدرة كامنة عالية المستوى في مجال معين، أما الإنسان النابغ فهو ذاك الذي يستطيع تقديم أداء أو إنجاز متميز في مجال معين. وبناء على ذلك نجد أن الموهبة قدرة كامنة، والنبوغ قدرة فاعلة. أي إن الموهبة تحمل قدرة طبيعية جذابة يمتلكها الموهوب، لكنها محفوظة داخله وغير مؤثرة في أرض الواقع، والنبوغ يحمل قدرة تنفيذية متميزة وجاهزة، بل قادرة على العطاء دون تأخير. وبذلك يكون من الواجب تنمية الموهبة التي يتمتع بها الإنسان لتصبح نبوغا يمكن توظيفه والاستفادة منه. 


 

هناك عوامل عدة ترتبط بتنمية الموهبة وجعلها نبوغا. ويمكن النظر إلى هذه العوامل من خلال دوائر البيئة المتكاملة المحيطة بالإنسان، وسنفترض أن هناك خمسة منها:

تتمثل الدائرة الأولى في الأسرة والحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد، ولهذه البيئة دور مهم في تنمية شخصية الإنسان وتحفيز قدراته. 

وتتعلق الدائرة الثانية بفرص التعليم المتاحة، ولا شك أن وجود هذه الفرص وتشعبها، لتشمل مختلف جوانب الحياة، ضرورة للارتقاء بإمكانات الإنسان وقدراته التنفيذية. 

أما الدائرة الثالثة فتأخذ فرص التعليم خطوة إلى الأمام لتركز على جودة التعليم ومدى اهتمامها باكتشاف المواهب ورعايتها له.

وتأتي الدائرة الرابعة بعد ذلك لترتبط ببيئة الأعمال المتاحة، ومدى توجهها نحو المنافسة الفاعلة، وحرصها على الإبداع والابتكار، وإقدامها على ريادة الأعمال، وحسن إدارتها لكل ذلك. 

ثم هناك الدائرة الخامسة، وهي دائرة التأثر بالعالم والتأثير فيه، حيث تتمتع هذه الدائرة بأهمية متزايدة مع نمو نشاطات الفضاء السيبراني Cyberspace التي جعلت العالم قرية صغيرة. 

 

يلاحظ في الطرح السابق لمفاهيم كل من الموهبة والنبوغ أن وجود أي منها أو الاثنين معا يرتبط بمجال معين، ومجالات الحياة كثيرة ومتشعبة.

وتحدد الرابطة الأمريكية الوطنية لصغار السن الموهوبين NAGC عددا من مجالات الموهبة التي تستخدم في التعريف بمواهب طلاب المدارس. ففي هذا الإطار هناك: الموهوب في مجال أكاديمي أو أكثر، والموهوب في استيعاب التعددية الثقافية، والموهوب في سعة التفكير، والموهوب في صفة القيادة، والموهوب في أداء الأعمال المطلوبة، والمبدع في العطاء، والموهوب في أي من الفنون المختلفة، والموهوب حركيا، إضافة إلى الموهوبين في مجالات أخرى. ويقول كين روبنسون Ken Robinson خبير التعليم في كتابه العنصر The Element: إن في كل إنسان عنصرا يجعله صاحب قدرات عالية High Ability في مجال ما من مجالات الحياة. والمقصود هنا أن جميع الناس موهوبون وليست قلة منهم فقط، كما يعتقد كثيرون، ويجب اكتشاف موهبة كل إنسان لإعطائه فرصة عمل تناسب موهبته، ما يؤدي إلى كفاءة أكبر وإنتاجية أعلى في مختلف المجالات. 

بعد النظرة السابقة إلى الصفتين الإنسانيتين المهمتين - الموهبة والنبوغ - ننتقل إلى صفتي بيئة المكان الذي يعيش فيه الإنسان، ألا وهما مدن التعلم، والمدن الذكية. وقد تحدثنا عن كل منهما في مقالات سابقة. فغاية مدن التعلم طبقا لتوجهات منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم: اليونيسكو UNESCO، هي الارتقاء المتواصل بإمكانات الإنسان وأسلوبه في العمل والحياة، واستجابته للمستجدات وإسهامه فيها عبر توفير التعلم مدى الحياة Life-Long-Learning للجميع. أما غاية المدن الذكية تبعا لتوجهات الاتحاد الدولي للاتصالات ITU فهي العمل على تفعيل الكفاءة والفاعلية في أداء النشاطات والخدمات المختلفة، وتحقيق الرفاهية في الحياة وتعزيز استدامتها.

والوسيلة المشتركة للوصول إلى كل من هاتين الغايتين هي استخدام التقنية الرقمية الحديثة في المجالات المطروحة والاستفادة من معطياتها على أفضل وجه ممكن. ولعل من المناسب التأكيد هنا أن تعبير مدن في كل من مصطلحي مدن التعلم، والمدن الذكية تعبير قابل للامتداد ليشمل ليس فقط المدن، بل العالم بأسره بما فيه من مدن وقرى وأماكن تجمع سكاني مختلفة. فغاية توفير التعلم مدى الحياة للجميع، وغاية تفعيل الكفاءة والفاعلية في أداء النشاطات والخدمات المختلفة، وتحقيق رفاهية مستدامة لا تقتصر على المدن، بل تشمل الأماكن كافة، حيثما وجد الإنسان. ولا شك أن انتشار الإنترنت والتغطية الشاملة التي يسعى الفضاء السيبراني Cyberspace إلى توفيرها حول العالم وسيلة لتحقيق كل من غايتي التعلم والرفاهية للجميع دون استثناء. 

يستطيع الموهوبون والنوابغ في شتى مجالات الحياة التفاعل مع مدن التعلم والمدن الذكية تفاعلا متوازنا ومثمرا. فالموهوبون قادرون على تنمية مواهبهم والنبوغ فيها بشكل متواصل ودون انقطاع عبر التعلم مدى الحياة الذي تطرحه مدن التعلم، وذلك في إطار بيئة مريحة من الرفاهية التي تؤمنها المدن الذكية. وفي المقابل تستطيع مدن التعلم، والمدن الذكية الاستفادة من أفكار الموهوبين والنوابغ في تطوير إمكاناتها وتفعيل أثرها بشكل إيجابي في تنمية الأفراد والمجتمعات.

 وإذا كنا قد دعونا في مقال سابق إلى استراتيجية مشتركة لبناء مدن تعلم تتكامل مع المدن الذكية في تكوين بيئة حياة متميزة، فإن ما ورد في هذا المقال يضيف إلى هذه الاستراتيجية المشتركة الحاجة إلى اكتشاف المواهب في شتى مجالات الحياة، وتنميتها وتعزيز نبوغها، ودعم العلاقة التفاعلية المعطاءة بين الموهوبين والنوابغ من جهة، ومدن التعلم والمدن الذكية من جهة أخرى.​


 


 



الكاتب:

أ.د.سعد علي الحاج بكري