تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#إبداع#ابتكار#

331

التعرف على الموهوبين وتفعيل قدرات الإنسان

 

عندما نتحدث عن الموهبة Giftedness، فنحن نتحدث عن صفة إنسانية يتمتع صاحبها بقدرة كامنة عالية المستوى في مجال من مجالات الحياة وهذه القدرة قابلة للنمو والبروز والتوظيف وتقديم الفوائد لصاحبها، بل للمجتمع الذي يعيش فيه أيضا. وهناك بالطبع صفات إنسانية كثيرة أخرى يتمتع بها الإنسان. بعض هذه الصفات مرئية ترتبط بالمظهر الخارجي للإنسان، ​

وبعضها الآخر يتعلق بعمقه الداخلي، فلا يظهر إلا بسلوكه، والأثر الناجم عن هذا السلوك. وتختلف صفات البشر الخارجية والداخلية كما هو معروف. وهذا هو حال المواهب حيث يأتي هذا الاختلاف تبعا لمجال الموهبة من جهة، ومستواها من جهة أخرى. ويضاف إلى ذلك أن الإنسان الفرد يمكن أن يتمتع بأكثر من موهبة واحدة. 


تأتي أهمية الموهبة من مستوى القدرة العالية الكامنة التي تحملها، حيث ينظر إلى اكتشافها وتنميتها على أنها استثمار يعطي أرباحا عند توظيفها والسعي إلى الاستفادة منها. وهناك مقاييس مختلفة لاكتشافها كما أن هناك أساليب متعددة لرعايتها وتنميتها. وسنطرح في هذا المقال مقياسين رئيسين مختلفين لاكتشاف الموهبة وهذان المقياسان مستخدمان على نطاق واسع. وسنحاول من خلال طرحهما مناقشة مسألة التعرف على الموهوبين، وتفعيل قدرات الإنسان وإمكاناته. 


يقرن المقياس الأول موهبة الإنسان بأربعة عوامل يدرى أنها تعبر عن مستوى ذكائه، حيث يعطى على أساسها تقييم لهذا المستوى وكلما ارتفع هذا المستوى، كانت موهبة صاحبها أعلى ويعرف هذا المقياس بمقياس معدل الذكاء IQ. أما المقياس الثاني فيعتبر أن للموهبة خمسة مجالات رئيسة، وأن الموهوب غالبا ما يكون موهوبا في أحد هذه المجالات، أو ربما في بعض الأحيان في أكثر من مجال. 


ظهر مقياس معدل الذكاء IQ في مطلع القرن الـ 20، أي قبل أكثر من قرن وكان ذلك على يدي الباحثين ألفرد بينيت Alfred Binet وثيودور سيمون Theodore Simon. وكانت الغاية من هذا المقياس هي التمييز بين تلاميذ المدارس المتخلفين عقليا من جهة، والتلاميذ العاديين لكن الكسالى من ناحية ثانية. وقد لقي هذا المقياس ترحيبا من المهتمين أدى إلى تطويره وجعله مقياسا عالميا رئيسا لمستوى ذكاء الإنسان على مدى أعوام طويلة حتى يومنا هذا. وقد عده كثيرون أيضا مرجعا للتعرف على الموهوبين من منطلق ربط الذكاء بالموهبة.

يشمل معدل الذكاء IQ أربعة عوامل رئيسة هي: الذكاء المنطقي Logical وذكاء الكلمات Verbal وذكاء الأرقام Numerical إضافة إلى ذكاء التصور الفراغي Spatial: يتمثل الذكاء المنطقي في القدرة على تحليل أسباب ما يواجه الإنسان من مشكلات الحياة. ويتضمن ذلك: استخلاص النتائج من المعطيات Syllogisms والموازاة والمقارنة Analogy والتمكن من التعامل مع المجموعات Sets، بما يشمل تحديد العلاقات بين العناصر، والتمييز بين صفاتها. أما ذكاء الكلمات فيشمل استيعاب معاني الكلمات Meaning of Words والتعامل مع الكلمات المترادفة Synonyms إضافة إلى التعامل مع الكلمات المتضادة Antonyms ويعبر هذا الذكاء عن قدرة صاحبه على التعامل مع المعطيات اللغوية. 


 

ويتركز ذكاء الأرقام في القدرة على التعامل معها بما يتضمن إجراء العمليات الحسابية Arithmetic، وملاحظة هذه العلاقات في سلاسل الأرقام Number Series. ويهتم ذكاء التصور الفراغي بالتعامل مع ثلاثة أمور رئيسة تشمل: سلاسل الأشكال Figure Series والمكعبات ووجوهها المختلفة Cubes إضافة إلى الأشكال المركبة Composite Figures. ويعبر هذا الذكاء عن القدرة على: التفكير ثلاثي الأبعاد وتفسير الأشكال منطقيا وملاحظة الترابط فيما بينها إضافة إلى إعادة تصورها وتشكيلها. 


وننتقل إلى المقياس الثاني للموهبة، وهو المقياس المرتبط بالرابطة الأمريكية الوطنية لصغار السن الموهوبين NAGC ولهذا المقياس، كما أسلفنا خمسة مجالات رئيسة هي: المجال الفكري والمجال الإبداعي والمجال الفني ومجال القيادة والمجال الأكاديمي. يشبه المجال الفكري محور الذكاء المنطقي في معدل الذكاء، حيث يهتم بإعمال التفكير والموازاة والمقارنة وغير ذلك من أساليب في التعامل الفكري مع أمور الحياة المختلفة. أما المجال الإبداعي فيرتبط كالمجال الفكري بالتفكير، لكنه ينظر إلى الأمور من كل زواياها، ويسعى بجرأة إلى طرح الأفكار واختبارها، وإيجاد حلول متميزة للمشكلات المعقدة. 


يرتبط المجال الفني بالمهارات الفنية المرئية، ويتمتع الموهوبون في هذا المجال بمهارات كامنة قابلة للتطوير وتقديم مبتكرات تتمتع بقيمة حسية خاصة. وفي مجال القيادة ينعم الموهوبون بمهارات اجتماعية متميزة، وقدرة عالية على التخطيط ووضع الأهداف، والتوجه بثقة نحو التنفيذ. ونأتي أخيرا إلى المجال الأكاديمي، حيث نجد الموهوبين فيه قادرين بشكل متميز على استيعاب عميق لمقرر واحد أو أكثر من المقررات الأكاديمية، وتحصيل نتائج متميزة فيها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المدارس في الولايات الأمريكية تأخذ هذه المجالات في تعريفها ورعايتها للموهوبين، وبعضها يضيف مزيدا من المجالات كالمجال الحركي الذي يشمل المواهب الرياضية، والمجال الثقافي الذي يشمل الموهوبين من أصحاب إدراك التعددية الثقافية والإسهام في جمع أصحاب الثقافات المختلفة. 


 

وهكذا نجد في المقياسين السابقين أن للذكاء والموهبة أكثر من مجال. ولعل الحقيقة هي أنه لا يمكن حصر مجالات الحياة بما ورد في هذين المقياسين، فالحياة أرحب وأوسع. ويضاف إلى ذلك، وجود صفات أخرى في الإنسان يمكن أن تؤدى بالممارسة والتعلم والخبرة، إلى اكتسابه قدرات متميزة في الحياة ربما تقترب، أو حتى توازي قدرات الموهوب في مجال من المجالات. ومن هذه الصفات: الهواية والشغف الذاتي Interest & Passion والعقلية النامية Growth Mindset والإدراك المرن Cognitive Flexibility المعزز للابتكار وغير ذلك. وسيكون بالطبع الأمر أفضل عند التوافق بين صفة الموهبة وهذه الصفات. 


لا شك أن الموهبة رصيد إنساني ينبغي الاستثمار فيه، وكل إنسان يمكن أن يكون موهوبا في مجال من مجالات الحياة الكثيرة، ولا شك أيضا أن هناك صفات أخرى يمكن أن يكتسبها الإنسان لتتعزز إمكاناته وقدراته، وهذه أيضا تستحق الاهتمام والاستثمار، ولعل للتعليم والأسرة والإنسان ذاته، بل للمؤسسات التي يعمل فيها أدوارا مهمة في هذا المجال. ​




الكاتب:

أ.د.سعد علي الحاج بكري