تسجيل الدخول
التصنيف :

#موهبة#

413

إدماج الطفل في الواقع الرقمي

DBggu3pg.png 


غيرت الثورة الصناعية الأولى عمل الأشياء، فتحول التصنيع الفردي إلى تصنيع تعاوني آلي لزيادة سرعة الإنتاج وجودة المنتج؛ مما أثر في جوانب حياة الإنسان، ثم ظهرت الثورة الصناعية الثانية نتيجة استخدام الكهرباء والنفط، فَغَزُرَ الإنتاج، ثم ظهرت الثورة الصناعية الثالثة فنقلتنا إلى عصر تكنولوجيا المعرفة والمعلومات، مما أحدث نقلةً نوعيةً في حياتنا من خلال مزج الثقافات والعلوم، لنجد أنفسنا أمام عصر ثقافة الحاسب والاتصالات والإنترنت، والآن نشهد الثورة الصناعية الرابعة؛ عصر البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الذي أصبحنا مطالبين بإتقانه، ومعرفة ما يتبعه من معرفة ومغزى. 


إن تطورات الثورة الصناعية الحديثة جاءت نتاج الأفكار الإبداعية والابتكارات والاختراعات التي تهتم بحياة الإنسان وبيئته، فظهرت الثورة الرقمية التي امتازت بالتصنيع الرقمي، وهي عبارة عن "عملية تحويل مصادر المعلومات على اختلاف أشكالها من كتب، ودوريات، والتسجيلات الصوتية، والصور، والصور المتحركة وغيرها إلى شكل مقروء بواسطة تقنيات الحاسبات الآلية"، بهذا أصبح من المتاح لأي شخص امتلاكها وتوظيفها للإنتاج من داخل المنزل، فتلاشت بذلك الحدود والقيود، واختفت الخصوصية، وتضاءلت سرية المعلومات، وأعادتنا للتصنيع الفردي الذي يمكِّن أي شخص يمتلك جهازًا ذكيًّا أن يصمم وينتج محلياً ودولياً، وليس ذلك فحسب، بل برز ارتباط التصنيع الرقمي بالتجارة والصحة وبالتعليم، مما جعل العملية التعلمية المعاصرة تعتمد بشكل كبير على التعليم الذاتي عبر برامج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. 

تتكون تقنيات الثورة الرقمية من جمع ومعالجة البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والروبوت، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والأمن السيبراني، وإنترنت الأشياء، والعملة الرقمية، وتقنية الهولوجرام وهي "إحدى تطبيقات الليزر لإنتاج واقع افتراضي مجسم ثلاثي الأبعاد، أي أنها تعطي صورة تخيلية مجسمة ثلاثية الأبعاد، تتم من خلال عملية التسجيل لتداخلات الموجات الصادرة من شعاع الليزر على وسيط عالي لحساسية الضوء، وهنا ينقسم الليزر إلى شعاعين: شعاع الجسم، وشعاع المصدر ليتقابلا على الوسيط الحساس"، واشتهرت هذه التقنية في عالم الطفل من خلال عروض حيوانات السيرك، وعروض الديناصورات، وقصص الأطفال التي يعرضونها بأنفسهم من خلال الأجهزة الذكية، فهي من التقنيات الجاذبة للطفل، والتي تحاكي الحقيقة كما نراها. وهذا أدى إلى ظهور مصطلح "الطفل الرقمي".  

تُلازم وسائل التكنولوجيا والإنترنت الأطفال منذ ولادتهم، وخلال مراحل نموهم، وتعمل هذه التقنية على رسم أفكارهم وتكوين اهتماماتهم، ونوعية ألعابهم، وطرق تلقيهم للمعرفة.  

بطبيعة الحال هذا عالم مختلف عن العالم الذي نشأنا فيه، فقد وفرت التقنية الرقمية فرصًا أكبر للوصول إلى المعلومة، واللعب المفيد، وتنمية الهوايات والمهارات، وقد شهد عالم الطفل تطورات كبيرة، منها التحول إلى طفل رقمي، مما يجعلنا نسأل: هل يحتاج الطفل إلى اكتساب أدوات خاصة تمكنه من الاندماج في هذا الواقع الجديد؟ وإذا كان الأمر كذلك.. ما هو دورنا؟ 

من المقترح اتخاذ الخطوات الآتية لإدماج الطفل في الواقع الرقمي الجديد: 
تطوير الطفل ليصبح متمكنًا في الرقمنة؛ فالطفل الرقمي هو الطفل الذي يملك ذكاء الرقمنة، ويجيد استخدام التقنية، ويقوم على إتقانها وتطوير مهارته فيها، أما الموهوب الرقمي فيعتبر مفهوماً جديداً، فتعرفه الكاتبة بأنه الذي يستوعب التقنية الرقمية، ويسعى إلى الإبداع والابتكار في تطويرها، وإيجاد تطبيقات جديدة تعزز استخدامها والاستفادة منها.  

 توجيه سلوك الطفل، وتدريبه على اكتساب المعرفة بتطبيقات الثورة الرقمية، كونها من أدوات النجاح في الحاضر والمستقبل، فعلينا –إذن– تعليمه حسن التعامل مع المعلومة، وكيفية استخدامها، وتنمية قدراته الشخصية والتعلمية والترفيهية، لتكون إحدى مصادر دخله مستقبلاً. 
الاهتمام بالطفل الرقمي وأنماط تعلمه، حيث أصبحت الأجهزة الذكية وسيلةً مهمةً في تعليم الطفل، ولكي نحقق استفادة أطفالنا من هذه الأجهزة واستخدامها بشكل مناسب؛ يجب أن يتعلموا كيفية استعمالها بعقلانية وتقنين، فالطفل الذي يمتلك مهارةً في استخدام الأجهزة الذكية يكون أكثر قدرة وتطوراً في التعامل مع برمجيات هذه الأجهزة مستقبلًا، فهي تمكِّن الطفل من تعلمها ذاتياً. 

إن تعلم الطفل بمساعدة الأجهزة الذكية نمط من أنماط استخدام البرامج التي تعرف بالبرمجيات التعليمية، والتي تهدف إلى تقديم المادة بصورة شائقة تقود الطفل خطوة بخطوة نحو إتقان التعلم، ويمكن استعمالها داخل الفصل من خلال المعلم/المعلمة، بوصفها أداة تعزيز، أو خارج الفصل، بوصفها أداةً للتعلم الذاتي، كما يمكن أن تستخدم كأداة فعالة للتغذية الراجعة والمراجعة، وتنقسم إلى خمسة أنماط:  

نمط التعلم الخصوصي الفردي: يقوم به الطفل في الزمان والمكان المناسبين له بعرض برمجية تعليمية على الجهاز الذكي؛ فيقدم له الجهاز شرحًا وافيًا ومتدرجًا للموضوعات والمهارات التي تشملها البرمجية، والمرتبطة بالأهداف التعليمية التي تعمل البرمجية على تحقيقها، مثل: لعبة تعلم الحروف والأرقام. 

نمط التدريب والممارسة: يطلق عليه نمط التمرين والممارسة أو نمط صقل المهارات، وهو نمط شائع ومثالي لإعطاء التدريبات اللازمة لتنمية مهارات معينة، ومن أهم مميزاته أنه يراعي الفروق الفردية بين الأطفال، ففي البداية يتم تقديم مجموعةٍ من الاختبارات القبلية لتحديد مستوى الطفل المتعلم، ثم تقدم له تدريبات عديدة على المهارات التي سبق له تعلمها دون ملل، ثم يتم توفير التغذية الراجعة لاستجابات الطفل الإيجابية؛ بمعنى تعزيز ما أتقنه من مهارات، بالإضافة إلى توفر تغذية راجعة لاستجابات الطفل السلبية "هي الوسيلة التي تبين للطفل أنّ الطريقة الحالية في الأداء غير مقبولة، ويجب استبدالها بطريقة أفضل من أجل الوصول إلى نتائج صحيحة "كما يعتبر معلمًا يهتم بكل طفل على حدة، فيتعامل مع كلٍّ بما يناسبه، مثل: لعبة التركيبات بما يناسب قدرات الطفل المتعلم. 

نمط الألعاب التعليمية: يجلس الطفل أمام شاشة الجهاز الذكي، ويعرض برمجيةَ مستخدمِ ألعابٍ تعليميةٍ مشوقةٍ تتضمن في سياقها مفهومًا محددًا، أو مهارةً بعينها، وذلك في شكل نشاط منظم يتبع مجموعة من القواعد أثناء اللعب، ومن أهم مميزات هذا النمط أنه يشجع الطفل على مواصلة العمل على البرمجية، حتى لا يشعر بالممل والتعب، ويصبح هذا النوع من الأنماط مألوفًا له مع مرور الوقت، ويشجعه على استخدامه في حل مشكلاته، ومن نماذجه: لعبة المتاهة. 

نمط المحاكاة وتمثيل المواقف: يستخدم الأجهزة الذكية لتكون مختبرًا تجريبيًّا له قدرة فائقة غير محددة، وتقوم الأجهزة الذكية بعرض محاكاة محكمة لظاهرةٍ ما أو مشكلة موجودة في الواقع أو نظام ما، دون مخاطرة أو تكلفة مالية عالية، ومن مزايا هذا النمط أنه يجنب الطفل مخاطر الخطأ الواقعي، لأن المخاطر تقع في عالم افتراضي، ومن ثم يكتسب الخبرة دون مجازفة حقيقة قد تكون خطرة، كما يهيئ للطفل موقفًا تعليميًّا مثيرًا لتفكيره باستخدامه لإمكانات الوسائط المتعددة، وإمكانات الحاسب المتقدمة، كما يستخدم العمليات والإجراءات التي يصعب دراستها في الواقع بالطرق العادية، ومن نماذجه: لعبة محاكة المستشفى. 

طريقة حل المشاكل: يلعب الحاسب دورًا كبيرًا؛ حيث يساعد الطفل في الحصول على الحل الأمثل للمسائل والتمارين بطريقة الاستقراء والاستنباط، ومن أهم مميزات هذا النمط أنه يشجع الطفل على التفكير المنطقي والناقد، كما يساعد على الابتكار والإبداع والتفوق، ويركز على تحقيق المستويات العليا في مجال الأهداف المعرفية لتصنيف بلوم، ومن نماذجه: لعبة الأحاجي والألغاز. 

ومن المعلوم أن وزارة التعليم بالمملكة العربية السعودية اهتمت بعالم التقنية وتطبيقاتها، على سبيل المثال دمج الطفل في الواقع الرقمي من خلال التعليم عن بعد أثناء جائحة كورونا المستجدة، ويجدر بالذكر أنه قد أظهر نتائجه الإيجابية العملية كبديل للتعليم الحضوري، مما يتطلب تفعيله ليكون بمثابة عنصر أساسي في عملية التعليم من خلال منصة مدرستي، وليكون بنيةً تحتيةً قائمةً على توظيف الثورة الصناعية الرابعة في التعليم، سواء من قبل منسوبي التعليم، أو من قبل الطلاب بمختلف مراحل التعليم لتلك التقنية سواءً في المنصات أو البرامج. 

وأخيراً ومن منطلق مقولة الملك عبدالله آل سعود –رحمة الله عليه– "إن الموهبة دون اهتمام من أهلها أشبه ما تكون بالنبتة الصغيرة دون رعاية أو سقيا، ولا يقبل الدين، ولا يرضى العقل أن نهملها أو نتجاهلها"، فدورنا اليوم هو الاهتمام باكتشاف ورعاية وتنشئة الموهوب الرقمي الذي تسعى له رؤية المملكة العربية السعودية 2030. 
 




الكاتب:

ملاك عايض اللحياني